أمسية هادئة نوعاً ما، على الرغم من أن الإضطرابات التاريخيّة المُرعبة تُجبرنا على التريّث قبل إعطاء النفس مداها في الإطمئنان. في وسط بيروت، حركة المرور نشطة بشكل لافت. يخرج من غاليري كاليم بشارة، القيّم الفني وراعي الفنون، صالح بركات، في عجلة من أمره لحضور (دون أدنى شك) معرض آخر يزدهر في عاصمتنا. داخل الفُسحة البيروتيّة الأنيقة المؤلّفة من طبقتين، مزيج رائع من المينيماليّة، وإضاءة مُشرقة تضفي على الغاليري إحساساً بالرشاقة والوقار في الوقت عينه. لا يوجد شيء مُبهرج أو بارز بلا داع. الزوّار يتنقلون بين الطبقتين. وفي الطبقة المديدة العليا، الأحاديث الجانبيّة تُساير المشهيات والوقفة على شرفة تفضي على وسط بيروت المُنهمك بخياطة بضع صفحات زاهية وسط أجواء مشحونة تُمهّد لعنف أرهقنا سواره بإحتمالاته المُروّعة. تقترب مني الفنانة التونسية عزيزة قرمازي التي تعود إلى بيروت بعد نجاح معرضها السابق في العام 2022. تُزيّن وجهها إبتسامة هادئة تخفي، كما سنكتشف بعد هُنيهات، الكثير من العمق. أضف إليه قدرة هائلة على ردع الظلم وتصدّي لأية مُحاولة لتجاوز حدودها. نتبادل الأحاديث المهذبة قبل التحدث عن المعرض – الحدث. بطبيعة الحال أسألها عن برجها الفلكي. وسُرعان ما أفهم اللوحات في المعرض الحالي الذي يحمل عنوان:”من الظلمات إلى النور”. إنه المرح والقدرة على اللهو لشرح رحلة حميميّة عميقة تروي التحولات التي نعيشها عندما تقرع الخيبة بابنا، ومرحلة الشفاء والتجديد الهادئ. واللهو يستمر. يُسخّر نفسه ركيزة للذكريات على إختلاف نزواتها. شخصية قرمازي تماماً كلوحاتها، تمزج بين المرح واللطف، اللهو، والقدرة الفائقة على استيعاب الفروق الدقيقة في مُحيطها. تشرح بالفرنسية، أنها، عادةً، تروي القصص من خلال الأعمال. ولكنها، هذه المرة، لا تروي قصة بل تُسلّط الضوء على مرحلة إنتقاليّة، عملية شفاء، ترسم رحلة بين الظلمات والنور. ومن هنا عنوان المعرض. معبر بين الإنفصال، التدمير والولادة من جديد. إنطلقت، على حد قولها، من تجربة شخصيّة. وهو العمل الأكثر حميميّة الذي قدّمته إلى الآن. وأرادت من خلال الملمس واللون إعادة بناء هذا “المقطع” من الرحلة. وتأمل أن يتمكّن الزائر من إيجاد نفسه أو ومضات من رحلته، أو بعض مقاطع منها في اللوحات التي ندخل إطارها وفي بالنا جاذبيتها وألوانها المُبهرجة، لنكتشف بأنها تدعونا إلى العبور من ضفة إلى أخرى. سنتمكّن جميعاً من أن نرى أنفسنا في الأعمال، على قول عزيزة، أكنا في بداية الصدمة، أم في منتصف فوضى الضياع، أم ما زلنا سجناء اللاشيء، أي لم نعد هناك، ولكننا لسنا بعد حيث من المفترض أن نكون.










