كما هي عادتي كل يوم، تسلّلتُ من معهد إحدى الجامعات البيروتيّة العريقة حيث أنجز بعض مشاريع مؤقتة، لأتجوّل (أطوف وأهيم بلا هدف) في رأس بيروت حيث تنمية الأناقة البطيئة والنعومة المُنضبطة.
ألقي التحيّة على البقّال، “أتساير” مع أحد أصحاب محال ال”ناولني”. أمزمز الأسبريسو وأتحسّر معه على بقايا بيروت. إذ لا بد لنا من أن نتحسّر على شيء ما أثناء إحتساء الأسبريسو.
مشيتُ لفترة طويلة إذ أنني أموت موتاً بطيئاً عندما أنحبس داخل المكاتب الضيّقة، وإن كانت نوافذها العريضة تفضي على جمال الشوارع البيروتيّة وعجقتها التي تمزج ما بين العتيق والدولوكس – موديرن.
قادتني أحلام اليقظة إلى العائلات البيروتيّة الكُبرى التي عرفت الرُقي والذوق الرفيع بخفر مُستتر. أصوات خافتة، أحذية لامعة، زهور نضرة وُضعت برقّة على طاولة جانبيّة، ونساء يحملن أحزانهن في الخفاء. وفجأة، وصلتُ إلى طريق غير نافذ. وعندما إستيقظتُ من إيقاع وبلاغة زمن العائلات التي تميّزت بالكرامة والحضور ورائحة ماء الورد الخفيفة، قادني فضولي إلى فُسحة مُختبئة قبل نهاية الطريق المسدود.
لوحات غرزت في جدران المباني، وبعض دلائل توحي أن ثمة أروقة خفيّة ما أن نفتح الباب. وهذا ما حصل. فوجئت بعشرات الغرف المديدة والمدروزة بالأعمال الفنيّة، على أنواعها.
من الخارج يبدو المكان ضيّق الطلّة. ولكنه يستقبلك ما أن تطأ رجلك داخل ستائره الإفتراضيّة المُغلقة جزئياً، بعشرات المجموعات الخاصة التي تحتوي على الفن المُعاصر والحديث في الشرق الأوسط وأوروبا.
وسُرعان ما أُدرك أنني في الواقع، إكتشفتُ جوهرة مخفية: غاليري زمان القائمة في شارع السادات في الحمرا. يستقبلني صاحب الفُسحة والقيّم عليها، الدكتور موسى قبيسي بإبتسامة عريضة. تتحوّل الإبتسامة ضحكة قويّة عندما أهتف بلا تفكير:”كيف ما بعرفكن؟ وين مخبايين؟ وليش منكن على مواقع التواصل الإجتماعي لإتفركش فيكن بفضل موسيو الألغوريذم؟”.
قبيسي تماماً كالعائلات البيروتيّة العريقة الكُبرى أيام زمان، لا يُعنيه الظهور. يعيش هذه المجموعات الممتدة في عشرات الغرف بوقار هادئ لا نيّة له في الإنغماس في التسويق ونشر غسيل العظمة المُتربصة في كل عمل فني.
آخر “بوست” على إنستاغرام للفُسحة كان في العام 2017.
بعد نصف ساعة من التجوّل وسط الغرف والتوغّل في ما يُشبه الأروقة الخفيّة والدهاليز المُزخرفة، لا يسمح لي بالخروج قبل أن يُقدّم لي لوحة رائعة تُصوّر بلديّة بيروت أيام الترامواي.
يعني، رسمة تعود إرتداداتها خلال الفترة المُمتدة بين عامي 1908-1965. وهذا يدلّ على أن أحلام اليقظة التي تسكنني عن طقوس العائلات البيروتيّة النبيلة لا تُشغل نفسها بالأداء الدراماتيكي. بل هي التعبير الأقسى لماء الياسمين أو ماء زهر البرتقال الذي يفحّ من ثوب ستّي “إم الياس” بمنديلها الرمادي وهي تركض صوب مازار مار الياس لتُضيء شمعة المساء. إكتشافاتي البيروتيّة، هذه الفترة، يا أخي تفيض بضبط النفس العاطفي الذي يستحضر رائحة البخّور. على الرغم من أن كل شيء فيها يفيض عاطفة.


