أمسية شارع الحمرا الأسطوري على وشك أن تتفتّح وردة مُتألّقة على هيئة أجراس فضيّة ليست سوى أصوات بشريّة جليّة كالإيمان، وشاهقة كالمسرح الذي سيُعرض عليه برنامج لا يحتاج إلى أي إقناع ليمنح رضا وأمل. المكان مفتون بقصصه الذابلة وذكرياته المهجورة، إلا أنه يفيض بالحب والإمكانات، مُتصالحاً دوماً مع كل ما تعرّض له. أمّا مسرح المدينة، الذي تغلّب على التحديّات وأعاد كتابة التاريخ، كما ارتقى فوق المجهول، فيُصرّ على المُثابرة، ويتعامل مع حضوره كالمُحارب الصامد والمستعد دوماً لحماية التقاليد والإبداع والمواهب الهائلة والكنوز الخفيّة.
سنحضر بروفات كورال المشرق العربي بقيادة المايسترو إبراهيم البمباشي، وهو من شمال لبنان. أما أعضاء الكورال فهم من أبرز الأصوات في عاصمتنا، ويبلغ عددهم نحو خمسين مُنشداً ومُنشدة ، وينتمون إلى عائلات بيروتيّة ذات تقاليد راسخة. أصواتهم وأصداؤهم محكوم عليها بكل العظمة المُتبقية في هذه العاصمة البهيّة. ومع ذلك، فإن الصور القديمة لعمالقتنا في مُختلف الحقول – المُنتشرة على الجدران – تمنحنا لحظة عابرة من الحنين إلى الماضي، وحزناً أنيقاً مُستتراً لما كان.
موشحات، إبتهالات، ومدائح في الذي يُصلّي الله عليه ويُسلّم. أضف إليها التُراث اللبناني والمصري. بعض لمسات غربية. موشحات حلبيّة. ضحكات عفويّة وتأوهات مُخمليّة للأمسية التي حملت عنوان “ليالي الشرق”. موشحات أندلسيّة، وأناشيد دينيّة تتضرّع إلى الرب. المايسترو، ابن طرابلس (أو “البلد” وهو الإسم الذي يُطلقه الطرابلسي على مدينته) يُعتبر الأب الروحي لهذه المواهب، ويسعى كل منهم إلى الحصول على تعليم عال في مجالات مُختلفة. تعابير وجوهنا، المُنقبضة تارة والمُنتشية طوراً عند سماع مثل هذه الأصوات المهيبة، قد تكون التجسيد الأقسى لكل ما يحصل على الخشبة. ولكل ما يرمز إليه هذا المسرح، الشاهد على التاريخ، والمصرّ على كتابة فصول أخرى منه لا تقل عظمة.
