كنا في الطابق الثاني في مبنى النهار القائم آنذاك في شارع الحمرا.
مجموعة من الحالمين الذين التقوا صدفةً، وتمكّنوا بطريقة ما من تكوين رابطة متينة لم تسحقها تقلّبات الحياة.
على الرغم من مُحاولاتها المُتكرّرة.
كنتُ أكتب بتركيز شديد.
كان ذلك في تسعينيّات القرن المُنصرم.
زمن استخدام القلم والورقة.
كنتُ غاضبة من الحياة ومن نفسي، لعدم عثوري بعد على المُقدمة المُناسبة لمقالتي.
لم ألحظه.
كان يقف شامخاً فوق مكتبي.
وقال بهدوء لا يُنذر بالخير: لا تهدري موهبتك على مقال. اذهبي واكتبي رواية.
الكتاب هو إرثك الوحيد.
بعد تلك الحادثة، تكرّرت هذه الجملة في مُعظم أحاديثنا الجانبيّة التي كنا نسرقها سرقة عندما يُصحّح مقالاتي التي بالغتُ طوال 30 عاماً في التعامل معها وكأن كل واحدة منها قصّة قصيرة أردت من خلالها توثيق يوميّات حالمة.
يوميّات قرويّة.
يوميّات فهمتُ لاحقاً أنها كانت أجمل هدية كُتب لها أن تنتهي قبل أن نعرف قيمتها.
رويداً رويداً أخذتنا المسؤوليات - ومزقّنا عدم تقدير مواهبنا - إلى حيوات أخرى. وبقيت جملة المُدقّق اللغوي والصديق جميل نعمه في مُخيلتي وغالباً ما عكّرت عليّ عشقي للكتابة والكلمة وإصراري على تحويل كل مقال قصّة قصيرة أوثّق من خلالها يوميّات حالمة.
يوميّات عاصمة.
وحافظنا نحن القلائل الذين صمدنا لأكثر من 30 عاماً على إحترامنا للكلمة واللغة العربيّة، وعلى الأناقة التي أراد البعض أن يستعيض عنها بالسرعة وتفقيص المقالات كالصيصان البؤساء الذين قتلتهم الحياة قبل الموت.
وبقي جميل نعمه يُردّد على مسمعي: الكتاب. الكتاب وحده سيكون الإرث الذي يستحق أناقتك في الكتابة وإصرارك على تقديم الأفضل في كل قطعة".
وعندما كنت ألجأ إليه شاكية من "تلطيشات" وتحطيم كامل لكل ما حاولنا أن نقوم به لأكثر من 30 عاماً بحجة :"شو؟ ناطرة الإلهام؟"، كان يوقفني "بأرضي، هاتفاً: "الكتاب وحده يستحق هذا الحب الذي تقدمينه لكل مقال ".
وإفترقت مجموعة الحالمين الذين مزقّهم عدم تقدير كل ما حاولوا القيام به لأكثر من ثلاثين عاماً. رافقتهم التلطيشات والجمل الجاهلة التي تأتي على شكل:"شو؟ ناطرة الإلهام؟"
وفجأة، وصلتني دعوة من صديقي جميل لتوقيع كتابه الأول
"زمان...بلا نسيان".
وفهمتُ أن المُدقّق اللغوي الذي لم يتوقف يوماً عن تشجيعي والتغزّل بلغتي وإصراري على أن أبني مهنة على الرغم من الجهل وعدم التقدير والتلطيشات التي سحقت إمبراطوريّة بكاملها، كان يوجّه هذه النصيحة لنفسه في الدرجة الأولى.
كان من المفترض أن نحتفل جميعاً بكتاب الصديق الذي وقف إلى جانبنا في مواجهاتنا الضارية مع اللغة العربية عندما كان المطلوب منّا أن نبني مهنة، لا أن نكون جزءاً من مصنع تفقيص مكنات، يموت الموظف فيه من كثرة السم وعدم التقدير والتلطيشات التي تأتي على شكل:"ليش إنتوا فيكن تلاقوا شغل برات هالمؤسسة؟ ومين بدو يحطك بالمأوى إذا تركتي؟"، ويتم إستبداله كل يومين. يُطرد أم يهشل، وهكذا دواليك.
ولكن للحرب نزواتها. الحرب مرّت من هنا. ومرّت علينا نحن الذين حلمنا ببناء مهنة، ومتنا عشرات المرات يومياً.
فإذا بالزميل الخلوق يؤجّل حفل إطلاقه.
ولكنه أرسله إلي لأقرأه. ووجدتُ نفسي أرثي أيامي الأولى، عندما كان للكلمة ثقلها ومكانتها المرموقة في سرد قصص لا بد لها من من أن توثق كل ما يجري في العاصمة في الدرجة الأولى. وأيضاً كل ما يجري في دمائنا.
فجأة، إشتقتُ إلى أيامنا الحقيقية. إلى يوم كانت فيه الموهبة هي الركيزة التي نبني عليها روايات تليق بإمبراطورية دمرها الجهل، وسحق بطريقه أحلامنا وكل ما حاولنا أن نبنيه ببعض ما كان يجري في دمائنا.
بكيت من الفرح لأنني وجدتُ أنني ما زلت أعشق القراءة ولأن جميل أعادني إلى سلطة الكلمة ووقع الكتابة الجميلة عندما يُطلب منا أن نُتقنها بدلاً من جلدنا يومياً بساطور البغض.
وتذكرت أن وحده الآمان يصنع العظماء.
"شو؟ ناطرة الإلهام؟"
...قريباً يُطلق جميل نعمه كتابه الجميل الذي زوّدني بعض أمل "أنو الدني بعدها بألف خير.
وسيكون لنا معه، عندئذٍ وقفة مطوّلة لنفهم كيف وُلدت قصصه
ومن يعلم، قد أقّدم له عندئذٍ كتابي الذي كان يجب أن يولد قبل 30 عاماً.
ولكن من كان سينذرني بأننا، نحن الذين قدّمنا شرايين أحلامنا للكلمة، سيتم نقلنا إلى زاوية صغيرة بالقرب من الحمامات لإعطاء مكاتبنا إلى الذين سيُطردون بعد كم شهر أم سيتم إستبدالهم بعد يومين؟
"شو؟ ناطرة الإلهام؟"