ثمانية آلاف خطوة على رصيف الزيتونة باي البحري صباح اليوم. أردتُ من خلالها أن أهرب من شيء ما لم أعد أذكره. تشاجرتُ مع النهايات التي إستقرّت الواحدة تليها أخرى على صدري حتى بتتُ أتنفسها "ع الطالع والنازل".
الحرّ يزحف بهدوء رنّان، والخطوات المُثقلة بتفاهات أتناولها كالبزورات -القاتوليّة والداعمة للضغط- تُعيدني إلى فصل أو آخر من قصّة لم تعد تعني لي أي شيء.
ارتديتُ نظارتي الكبيرة جداً ووضعتُ الكثير من المكياج - أي مُستحضرات التجميل - لنُزهة صباحيّة نيّتها تخفيف الكيلوهات المُتكدسة كزنّار نار حول خصري.
ذكرّني مُحدّد شفاهي - أي ال
Lip Liner
بتسعينيّات القرن الماضي.
كنتُ غارقة في أحلام اليقظة حين وقفتُ أمام المرآة، ولم أقصد العودة إلى الماضي وجرائمه المُهينة المُتجسّدة، هذا الصباح، بالكونتور البنّي الغامق الذي يستقر فوق البرتقالي الفاقع، ويُلخّص تالياً، كل الخيبات التي صادفناها في الطريق.
"وما تشكيلي لما إبكيلك".
كان البحر هادئاً والعُمّال يُغنون تعبهم وهم يُنظفون الرصيف البحري.
وأنا غارقة في أحلام اليقظة..، وما رأيك أن "أبكيلك وبلا ما تشكيلي"؟
بعد المشي، جلستُ في مقهى "غريد" الأنيق حيث يحلو لي أن أحلّق - أي أُطيّر -
أراقب هؤلاء الذين يُشبهون ضياعي ورغبتي بالتعلّق بأي شيء.
لاسيما تلك القصص التي لم تعد تعني لي شيء.
على الطاولة المُجاورة، كان عدد من الرجال البيروتيين يتبادلون الأحاديث الراقية والشاهقة في أسلوبها الأدبي.
أحاديث تتمحور حول مأكولات تتكلّل بدهون لا بد لها من أن تستقر حول القلب كزنّار نار الكيلوهات المُتكدسة حول خصري.
و"برافو عليك ضعفان".
"بس شو غمّة عند منير".
ولتكتمل سعادتي بالنهايات المُستقرّة على صدري، كتوليفات بعض الأصدقاء الذين يخفون عضويتهم بمنتجعات "كلاس - أجلّك -خوفاً من العين" في مناطق تجعلني أتعلّق بزنّار نار الكيلوهات التي تقطن خصري -
توّجت الجلسة بآخر خبريّة بيروتيّة تليق برجالات الطاولة المُجاورة التي كنت آمل أن "أتلقّط" عليها بعريسي المُستقبلي، وتتجسّد بالفاتنة اليافعة التي سرقت البويفريند - أي عشيق- والدتها.
وهنا، كان لا بد لي من أن أتعلّق بحبّة ماغنيزيوم الغلايسينايت الذي يفكّ تشنجات عضلاتي لأهضم هذه التغيّرات المصيريّة في رجالات هذا الزمن.
رجال لا علاقة لهم بكونتور تسعينيات القرن المنصرم الذي لزقته على وجهي "هيك هيك البهدلة قادمة لا محال"
ثم رنّ الهاتف.
كانت شقيقتي تلهث وهي تقول إن الضاحية قد تتعرض لهجوم.
ووجدتُ نفسي أهرول إلى المنزل.
نظرة أخيرة إلى الطاولة المُجاورة المُنهمكة بأحاديث بيروتيّة مُحبّبة تُعيدني إلى شيء ما لم أعد أذكره.
وصلتُ إلى شقتي البيروتيّة المديدة.
بيري، بلو وهنري بانتظاري
كلبتان وكناري.
فطائر بالسبانخ.
نعم، سأخبز الفطائر بالسبانخ، في إنتظار الهجوم أو الضربات المُرتقبة.
صديقتي ألين تُشرف، من فرنسا، على إنجازاتي الأكثر فشلاً من ماكياجي في المطبخ.
نتبادل الوصفات.
بالأحرى، تُملي عليّ المقادير.
المطبخ يُقرّبها من والدها ريكاردو الذي رحل وترك لها نكهات وتوابل لتُبقيه إلى جانبها.
المطبخ يسمح لها بأن تشفى من ندوب تعرف جيداً أنها لن تشفى منها.
ومع ذلك، تتعلّق بالمطبخ كتعلّقي بالرصيف البحري الذي يُعيدني إلى شيء ما لم أعد أذكره.
يرنّ الهاتف مرّة أخرى.
أنتظر المصيبة على إعتبار أن ما من أحد يتصل بي إلا لينقل إلى زنّار ناري، المصائب.
والدة صديقتي التي أصبحت بدورها، صديقتي:
"هالحمارة بنتي، خبرتك إنّو كان بدّو ياها فرنجية هالحمارة ورفضتو؟".