تدفقات غزيرة في المطبخ

كنت في ال19 من عمري عندما دفعني الفراغ أو ربما الفضول إلى إكتشاف المطبخ وما قد يمنحه لحالمة مثلي من ومضات هاربة من الجنون وسط تدفقات الشغف الغزيرة  التي أحتاجها دوماً.

وكان أبي، الأستاذ الياس، الكاتب المغرور والملوكي في تعامله مع نفسه، لا يؤمن أو يعترف بأن الكمال هو عدو أي نوع من المتعة في المطبخ.

وكان، بطبيعة الحال يسخر من محاولاتي (الناجحة جداً بحسب والدتي فيفي التي عُرف عنها قدرتها على إلتهام الأخضر واليابس من دون أن تحتاج إلى البيرييه أو السافن آب لتسهيل عملية المرور، أو أقلّه التخفيف من خطر الإختناق) في تحويل وصفاتي غير التقليدية قصة حب متوقدة مع ال”كريم فريش” والنبيذ الأبيض الممزوج برشة من هنا وأخرى مما تيسر من مكوّنات تكدسّت في مختلف  خزائن المطبخ ونسيت فيفي أن ترمي بعضها على الرغم من كون تاريخ صلاحيتها قد إنتهى قبل أن أبصر النور ب”كم يوم”.

وكان يُردد بأسلوبه المُتعالي المهذب وهو يُشذّب شاربه التاريخي في تصميمه، “ما شغلتك يا بابا. بدك تراقبيني كل يوم أحد كيف بطبخ. كيف بحوّل كل طبخة مقال بليق بزيّان” (وهو إسم أحد أبطال رواياته  وتوسّله ليمضي مقالاته في سنواته الأخيرة في “النهار”).

وكان يضيف وهو يتأمّل جاذبيته وإطلالته البهيّة في المرآة الصغيرة التي ما زلت أحتفظ بها بعد إنتقاله إلى دنيا الحق، “يعطيكي العافية يا بابا. بس الحياة بدّها أصول. الإبداع مش لمين ما كان. بدّك تتعاملي مع كل شي وكأنو سمفونية!”

وكانت فيفي تغمزني بحركة تدل على التواطؤ، وتهمس بلامبالاتها المعهودة:”أهم شي الكبة بلبنيّة والفاصوليا المجنونة ياللي صرلنا مناكلها من ديّاتك كل يوم أحد من 30 سنة يا أوسي”

وكانت هذه الكلمات الكاذبة كفيلة بأن ترفع الأستاذ الياس بضع طبقات ضوئية عن الأرض وهو يهز برأسه بما يُشبه التواضع، “شو بدكن! كان لازم إفتح مطعم. كان إسمي نزل بالتاريخ”.

وعلى الرغم من عدم إعترافه بمهاراتي في المطبخ، حلمتُ بأن أحوّل كل وصفة أنجزها قصة قصيرة تماماً كما كنت أفعل مع مقالاتي وتحقيقاتي في النهار حيث أمضيت 30 عاماً من حياتي.

لاحقاً عندما قرر والدي أن يبني قصر أحلامه في الكورة في أرض العرتوق (إنطلاقاً من روايته: عودة الذئب إلى العرتوق)، كنت أراقبه بالكثير من الإعجاب عندما نجلس كل يوم سبت تحت شجرة الزنزلخت التي حمتنا طوال هذه السنوات(وكانت الشاهدة على مناكفاتنا وضحكاتنا وثرثراتنا ونميمتنا الموجّهة في الدرجة الأولى إلى بعضنا البعض)، وهو يقطّع الخضروات ليصنع السلطة عينها من دون أن يملّ أو يضع فيها بعض تعديلات.

وما أن يلمح نظراتي الشغوفة يضحك ويقول:”هيك بيكون التعامل مع المطبخ. تركيز. هدوء. صبر. وكل أكلة قصة حب”.

ويلُطّش بسخرية فيها الكثير من المحبة، “وما في داعي نحط  النستليه مع الكاتشاب ونروّبه بالنبيذ ونسقطّله العجين الأقرب إلى باطون لتطلع الأكلة طيبة.”

وفجأة، قرر الأستاذ الياس والسيّدة فيفي الإنتقال إلى دنيا الحق.

فإذا بي أقرر ذات يوم كنت غاضبة فيه من هذه الحياة أن أنتقم من الذئب وعرتوقه بإنجاز أكلة على ذوقي.

وأخيراً، صار بإمكاني أن أعود إلى المطبخ وأطهو كما يحلو لي. أمزج الطحين مع البيض وأخبزالعجين مستعينة بالبندق والبسكويت الحلو. وأضيف الحلويات إلى الوصفة التي يتخللها الكبيس.

وفي كل مرة كنت أفشل فيها في رواية قصة قصيرة من خلال وصفة وأخرى، كنت أواسي نفسي بأنني “ع القليلة” لست مضطرة لأن أنظّف الجدران والغاز لساعات طويلة كما جرت العادة كل يوم أحد عندما يقرر الكاتب الكبير أن يتحفنا بالكبّة بلبنيّة  ويزخرف كل المساحة من حوله باللبن والنعنع اليابس إلخ إلخ.

…و”شو بدّكن، أنا أكيد الله جابني غلطة على هالأرض”

ومع الوقت، وجدت أنني في الواقع أحب المطبخ.

وأشعر بتلك السعادة التي نعبّر عنها عادة لدى دخولنا علاقة عاطفية بعد إنقطاع وعزلة، ما أن أضع المكوّنات غير المتناسقة والتي لا تُشبه أي مطبخ ولا تنتمي إلى  مدارس التاريخ، أمامي على الطاولة لأشفى من خلالها في الدرجة الأولى من الرحيل ولأكتب بين رشّة هال و “فين زارب” و”حر الفلافل” قصّة جديدة أنا بطلتها هذه المرة.

مع إيماءة صغيرة بين الحين والآخر لل”سوس” الذي كان يربى بدلال في خزانات فيفي. والخيار المقطّع “عالليبرة” الذي أكلناه حتى التخمة تحت شجرة الزنزلخت الشاهدة على مناكفاتنا وقصص حبنا

والأستاذ الياس يفتل شاربه التاريخي بتصميمه ويُردد جمل الإعجاب بإنجازاته في المطبخ.

وفيفي تهتف والسيجارة لا تنزل من يدها:”يي، تحت الأرض!”

 



		
		
			
en_USEN