أراد أبي بناء قصر لم يسبق له مثيل في الشمال، وهكذا عشنا معه وهم المستحيل لأكثر من 30 عاماً. لم يكن ليرضى بمنزل “مكنكن” ومريح. غرف حقيقيّة وجهاز تلفزيون صغير. أراد المُستحيل. تعلّق بوهم الحياة. تعلّقنا بدورنا من خلاله بإسمه المكتوب بالبنط العريض. ورقصه الحرّ وسط حلبة الجنون. تعامل مع اللحظات العاديّة وكأنها إهانة لعظمته وإنجازاته وشاربه الكاريكاتوري. لم يفهم كيف كنا نجلس أنا ووالدتي، فيفي، لساعات، حول فنجان قهوة. ننغمس في القيل والقال. نغور في حيثيات قصة حُب أعيشها فور إنتهاء سابقتها بكم ساعة. نُحلّل الإلتفاتة والنتعة وشبه الإبتسامة..كان يضحك من قدرتنا على إرتياد المقاهي المنسيّة في الشمال، حيث تمحورت حياتي..وسعيه للمُستحيل. أبي كان يرتاد خشبة مسرح الحياة. وكان علينا، نحن الذين وافق على التنحّي من برجه العالي لياخد ويعطي معنا، أن نُصفّق له باستمرار. وأن ننتظر 30 عاماً ليبني قصره في الكورة. بصمت وصبر. نجلس تحت شجرة الزنزلخت. ونتغاضى عن حاجتنا لمنزل مكنكن، غرفه حقيقيّة. وحيث التلفزيون صغير. عندما لحقت به فيفي، بعد 3 أشهر من رحيله، أبعدتني إبنة عمّي جوسلين وصديقة طفولتنا، نورما، عن البكاء و العويل والجسد البارد المُغطى بثوب أنيق وعقد من اللولو. جلسنا في مطعم رومنطيقي في قرية رأس مسقا المشهديّة. ثرثرنا لأكثر من ساعتين. إلتقطت مئات الصور للفسحة المديدة بزواياها المُتنوعة. ضحكنا وسط الدموع. وسلّطنا الضوء، بكل تأكيد، على خياراتي “العكجة”، (كما كان يسمّيها أبي)، في حبيب الساعة-كل ساعة. وللحظة، نسيتُ أنني أعيش ثاني أصعب يوم في حياتي بعد رحيل الذي وهبنا وهم الحياة. وتمنيتُ لو تمكّن أبي من أن يعيش معنا حياة عاديّة. أكثرتُ من طرح الأسئلة على جوسلين ونورما عن أماكن الشمال المكنكنة التي لطالما أردتُ مع فيفي أن يُشبهها منزلنا. ولكن أبي، أراد المُستحيل.




