ترجلتُ من السيّارة بثقة. في الحقيقة، ما أن وصلنا إلى طلعة نادي الرياضي الذي أشجّعه “للعضم” على الرغم من أنني لا أفكّ حرف لعبة الباسكت بول- ولا أستطيع التمييز بين ملعب مُصان جيداً وآخر حفرت الخسارات وجهها المجوف عليه – ولكن الثقة ونسمة الغرور الذي يسبق، عادةً، الفضائح من العوامل التي لوّنت وجهي. وترجلتُ من السيّارة التي تقودها شقيقتي كشوفور سرفيس مرّت عليه وهلات الزمان…وحالات الزمان عليك شتى وحالك واحد في كل حال. رشّة من عطر الياسمين، ونصف إبتسامة إصطناعيّة وتوجهّت إلى الفرن الراس بيروتي الأقرب إلى قلبي: “أبو شادي” القائم في شارع الدكتور نجيب عرداتي. غمرتني رائحة العجينة الطازجة الطرية والممدودة بما يكفي لأكثر من شخص للمشروحة الواحدة. طلّة أبو شادي المهيوبة التي تغمز إلى نجوم مصر في العصر الذهبي – ولم لا هوليوود وإستقباله الحار لي، من العوامل التي أشعرتني وكأنني لا أطلب مشروحة الجبنة والسبانخ مع رشة حرّ أحمر ونصف ليمونة نعصرها بما يليق بهذه الوجبة الفاخرة الرائعة. بل أطلب وجبة مُقرمشة، لذيذة، طريّة، مطاطيّة، مُنعشة، مُتبّلة جداً، تليق بستريد فود العواصم الأوروبيّة الكُبرى. طاولتان على الرصيف. أحاديث جانبيّة وطلبات “ضخمة” لهذا الأحد العادي. أوصيتُ أبا شادي ألا يُغلّف المشروحة لأننا سنتقاسمها أنا وشقيقتي في السيّارة، حول جلسة ثرثرة أتولّى فيها شخصياً دور ال “وان وامان شو”، تاركة لأختي رفاهية هاوية الصمت لتعيشها قدرها المُنعش. فإذا به يودعني بجملة فتحت شرايين قلبي “المصطّمة” من هولات الحرب التي نعيشها قدرنا منذ أشهر:”إنشالله شوف هالإبتسامة الحلوة كل يوم عند الصبح”. وفي السيّارة إفترسنا المشروحة بجبنة وسبانخ بعدما أغرقتها شقيقتي بعصير حامض الليمون. وليكتمل المشهد البيروتي، رفضت أن تقودني إلى الشارع حيث محلّا “عزيز” و”الفاكهاني” لأشعر بعظمة راس بيروت تسبح على صباحيّتي. فهي تستسيغ الطريق ال”فقريّة” البحريّة التي لا تليق بالمرأة التي أنحتها لنفسي يوماً فآخر. تشاجرنا. إتهمّتها بالعقل المحدود. إتهّمتني بالهلوسة. أخبرتها بأننا، قريباً سنزور الفاكهاني في مقرّه الجديد حيث سأرتدي عباءة “لامبالية” – أي تبدو وكأنني إرتديتها على عجلة من أمري- وسأدخل الفاكهاني تعابير نظراتي أقرب إلى الصاعقة، ووجهي مُزيّن بالماكياج الفنّي – شغل فريدة في شارعنا القديم في الأشرفية – وأشتري “حياللا شي” وأخرج حيث تنتظرني في سيّارة الجاغوار. وتنطلق بسرعة وكأننا في طريقنا إلى “برانش” راس بيروتي لا يحتمل الإنتظار. وهُنا، إنغرست قدمها على دواسة الفرامل بذعر واوقفت السيّارة في منتصف الشارع هاتفة وكأنها تُريد أن تطرد عني الشياطين والجنّ:”إسم الصليب. شو هالمهسترة!”. واجهتها بنصف الإبتسامة الإصطناعيّة التي تليق بالمرأة التي أنحتها لنفسي يوماً فآخر، وبدّلت الحديث حفاظاً لسمعتي!




