ورثتُهُ من زوج خالتي بعدما ضاق ذرعاً بعجز الكناري – صاحب السيادة – والمُتغطرس بعض الشيء، عن الغناء. أو رفضه التام للإفراط في استخدام صوته المكتوم بشكل مُقلق. ولم يكن الكناري الذي لا يُجيد التغريد، من أولويات زوج خالتي الذي ينتمي إلى الطبقة البرجوازيّة. وبعد عشرات الزيارات إلى مُختلف الأطباء البيطريين في العاصمة بيروت – وأهمس بخجل – بعض مُشعوذين مُتخصصين في فك تعويذات قد تكون ربطت لسان الكناري المُعتد بريشه، نظر إلي زوج خالتي، وقال بالعاميّة: “خديه. ما إلو عازة”. فشلت الإستشارات الطبيّة، وفشل السحر في حلّ هذه المعضلة. وضع زوج خالتي القفص الصغير بين ذراعي. نظرتُ بحذر إلى العصفور الصامت. أجابني بنظرة إستكشافيّة شرّحني من خلالها. وطوال الرحلة إلى المنزل، حافظ على وقاره وصمته. تبادلنا النظرات الهادئة. “يا إلهي! كيف سأربّي هذا الطائر المهيب؟”
ما أن دخلنا شقتي البيروتيّة حتى اصطدم نظري بابنتي الكُبرى ستروبيري، والصُغرى بلو، المذهولتين بخيانتي العُظمة: “عصفور يا ماما؟”. أطلقتُ عليه اسم هنري تيمناً بالقطّة الشاردة التي اصبحت صديقتي وقضت بحادث مأساوي. كانت قطة مُتقدّمة في السن عندما تقاطع طريقانا، ولأكثر من سنة قبل الحادث الأليم الذي أودى بحياتها، عاشت معي أجمل الأيام. لم أعد أذكر لم اخترتُ لها اسم هنري المذكر وهي التي قدمت للحي عشرات القطط الشاردة ليهتم بها الجيران.
المهم أن الطير الوقور حافظ على صمته ونظرته الإستكشافية طوال اليوم الأول لنا كعائلة غير تقليدية مؤلفة من حالمة، كلبتين (ريّا وسكينة؟) وكناري ينتمي إلى نخبة الطيور (بلا زغرة). كان الشتاء يترنّح بحيرة. يعبث بأعصابنا. وبعد إجراء بحث بسيط على الانترنت، قمتُ بتغطية قفص هنري ليلاً وتركته ينام على أنغام ترانيم عيد الميلاد. ستروبيري وبلو إلتصقتا بجسدي المُنهك وتمترستا مُقابل القفص، إستعداداً للحظة الإنقضاض المحتومة. في تمام الساعة السادسة صباحاً إستيقظتُ و”البنات” على صوت خافت يطلب برقّة أن نُزيل عنه الغطاء. فإذا بي أصرخ بفرح فاجأني:”يللا يا حياتي. يا عيني يا ماما”. وخرج في تلك اللحظة”هنري” من تقاعده المُبكر، و”قللك الكريم خود”. اكتشف هنري حنجرته الذهبيّة، وتحوّل إلى مغني أوبرا عنده طقوسه، ونزواته الموسيقيّة في النهار والليل. يحتاج إلى “ريبيرتوار” إنتقائي لكي يتأقلم مع مزاجه المُتقلّب. فإذا بجين كيللي، زينة ونحّول، لولو وطبوش، موزار للأطفال، مسلسل “عاوزة أتجوز” الكوميدي المصري، سيندريللا، بياض الثلج، أستاذ عبقري، آلو؟ حياتي..وصولاً إلى عشرة عبيد زغار وموسيقى دراكولا التصويريّة تنساب في المنزل. واصبح هنري نجم مسارح فيينا واستوديوهات هوليوود في عز دين سن الفيل. وإذا بالوقور الصامت يتحوّل إمبراطور المنزل. فلا يتحمّل المُخالفات البروتوكوليّة التي لا تُغتفر. لا يستسيغ الملل. يحتاج إلى حوض السباحة الخاص به ليغطس فيه ويستحم. وأحياناً يقفز في داخله من أعلى القفص ليعترض على تقلّبات الطقس.

ينام في تمام الساعة السادسة والنصف مساءً. يحتاج إلى موسيقى تُهدهد إنكساراته الوهميّة قبل أن يغيب عن السمع لما يُقارب ال12 ساعة. وعندما علم زوج خالتي بهذه المُستجدات الخطيرة، هتف غاضباً:”هيك ظهر صوتو عندك. وأنا سنة عندي ما فتح تمّو؟ إنتي أكيد ما كان حدن كاتبلو؟”. وغني عن القول أن ابنتي الصُغرى تُحاول سرقة طعامه، وابنتي الكُبرى تنظر إلي نظرة استنكارعندما يُدير صاحب السمو شؤون المنزل، وكأنها تُريد أن تقول وهي شمتانة:”خرجِك!”.



