أرادتها قصتها الشخصيّة التي من خلالها ستكسب حرية لطالما حلمت بها وعملت جاهدة من أجلها. "هي ذكريات مُتنقلة" كما تروي لي في أحد مقاهي بدارو المُسيّجة بدورها بالذكريات حتى تلك التي تولد في هذه اللحظة. أو ربما بعد بضع دقائق، عندما تتفتّح الكلمات بعض وعود "إلا ما تتحقق" عندما يجرؤ العاشق على البوح بترنّح الروح بشكل "غير سويّ"
ذكريات مُتنقلة وأخرى ما زالت في طور الصنع.
والإستقلال كان يُناديها "يومك - يومك".
كانت على يقين وعلى الرغم من تفوقها في وظيفتها اليومية، من أنها ستُحقق حلمها بالإستقلال. فكانت الطوابع التي ورثتها والدتها عن شقيقها الراحل، هي الباب الصغير الذي إقتحمته الشابة زينة قاروط لتخلّد ذكرى خالها الذي إنتقل إلى دنيا الحق وهو في بداية العشرينات، في الدرجة الأولى. وأيضاً لتبدأ من خلالها، رحلة البحث عن حياة تتحكّم من خلالها هذه الشابة الطموحة بوتيرة النجاح وإيقاع الخلق فيها.
وُولدت "قصة طابع"، التي ساعدها خالها الراحل على سردها لكل الناس، ليكون لبنان المسرح الجوّال الذي تعتليه زينة إفتراضياً ولساعات طويلة يومياً. فلا تعترف بالتعب والملل، على إعتبار أنها تفاصيل لا تليق بهذه القصة الشاهقة. قصة شاب كان يُجمّع الطوابع خلال أسفاره المُتعددة، فإذا بزينة تنطلق منها لتحولها تصاميم تُزخرف عشرات الكماليّات والمنتجات .
ذات يوم قدّمت لها والدتها أحد الألبومات، وفيه الطوابع الشاهدة على أسفار خالها، الموظف السابق في قسم الشحن في المطار. وفي ذاك الوقت، كانت زينة، وإلى جانب وظيفتها المرموقة في صحيفة لبنانية عريقة، تدرس التصوير والإخراج. وجرت العادة أن تمشي فترات طويلة في عاصمتنا ال"فابولوس". تمشي وترفع رأسها عالياً لتتجمّع المشاهد في رأسها. أو ربما تتهادى في صورها
وهذا الرأس المرفوع صار يحلم، ويُطوّر الأفكار. فكانت الطوابع رسالة الحب الكبيرة التي كانت فاتحة المشروع الذي صار يتضمن اليوم تصاميم من وحي الحياة اللبنانية اليوميّة. قصصنا الصغيرة وتفاصيلنا المُلحّة التي تُميّز عاداتنا وتُعطيها حقها.
وصارت مسألة عادية أن نلتقي بزينة النشيطة التي لا وقت لديها للتذمر أو للتعب، في مختلف الأسواق الشعبية في المناطق اللبنانية. تستقبل الزوّار بإبتسامتها الواثقة وخبرياتها عن خالها وطوابعه التي صارت قصتها، وها هي تنتقل هنيهة فأخرى إلى كل بيت. وإلى العالم بأسره، فيعيش خالها مجدداً، وتقترب هي بضع لمسات من إستقلال حلمت به باكراً بحثاً عن قدرة الخلق والآمان الذي يولّده الإبداع.
وصارت "قصة طابع" على إختلاف تصاميمها وإن كانت ركيزتها طوابع الخال الذي رحل باكراً وبقيت ذكرياته المُتنقلة، تماماً كما أرادتها زينة: "في كل بيت".
واليوم، أصبحت قصتها الشخصية التي من خلالها ستقترب يوماً فآخر من الإستقلال الذي حلمت به باكراً، فإذا بها تًهدهد غروره من خلال الخلق...وطوابع لم يتهن بها خالها كثيراً، ولكنه قدم من خلالها الحرية وفرصة الحلم لشابة تسير ساعات طويلة في العاصمة الفابولوس، تلتقط الصور بواسطة آلة التصوير المتطورة أحياناً. وتحتفظ بمئات المشاهد في مخيلتها النابضة بالألوان، في أوقات أخرى.
تحلم، وتنام ساعات قليلة. لأن لا وقت لديها لتضيعه. رأسها المرفوع مُنهمك بقصة طابع التي صارت في كل بيت.