المطلوب أن ينقذ أحدهم فراشة تائهة في المطبخ، قبل أن تبتلعها الذكريات. إجتاحتني هذه الفكرة صباح اليوم وأنا أحاول أن أمنع نظرتي الجانبية من الإلتفات مجدداً إلى فصول كتاب ملّ منه الفراغ الشاهق الذي يسكنني منذ أن إكتشفت أنني تجاوزت كل شيء، حتى ذكرياتي. ولكن البدايات تنادي الفتاة الصغيرة التي كانت تقطن بداخلي إلى أن تجاوزتها، هي أيضاً. يجب أن أتذكر إعادة تخزين حجرة المؤن الفارغة, تماماً كحياتي. ويجب أن أستخدم مئات مستحضرات التجميل المختبئة في أدراجي. يبدو أنني تجاوزتها أيضاً. فطيرة رأس بيروتيّة لهذا الصباح الفارغ…الفارغ مثل عيني. نعم، فطيرة رأس بيروتية لا علاقة لمكوناتها برأس بيروت. ولكنها أكثر بريقاً من المنطقة التي أقطن فيها. رأس بيروت تجعلني أوهم نفسي بأن قصتي لم تنته بعد. زواياها تصلني بالأوهام التي إرتديتها معطفي، هرباً من حديقة الخيبات التي تجسّدها الحياة. في هذه الفطيرة التي ستُشبه كل شيء إلا الفطائر سأسكب هشاشتي، وحاجتي إلى إختراع عوالم . أطعّمها بحاجتي المستمرّة لأكون على قيد الحياة بشكل لذيذ، وإن كنت أعلم بأنني إستقلت من الحياة منذ سنوات طويلة. دقيق (الكايك) الخالي من الغلوتين تحسباً للنفخة والعوارض المُهينة التي تُعيد إحياء أزمة منتصف العمر التي تُرافقني منذ سنوات لا يُستهان بها. بعض البيض. أسكب زيت الزيتون المصنوع في الكورا الخضراء – مسقط رأسي الشاهد على كل فصول حياتي- فوق البيض. أخفف الكثافة بالمزيد من الدقيق الخالي من الغلوتين. أسحق البسكويت وأسكب ما يواسي النفوس من وعاء زيت الزيتون فوقه . أنثر المزيج فوق الإختراع الأدبي الأول. أدخل الإنجاز إلى الفرن. تخرج بعدها الفطيرة الرأس بيروتيّة ذهبيّة وعطريّة، لا علاقة لها بكل تأكيد بأي مطبخ في هذه الحياة التي أصبحت الشاهدة على تقلباتها- لا أكثر ولا أقل. ولكنها فطيرتي. تهمس لي بتضامنها مع عدم إكتراثي بكل ما يجري من حولي. تواسي أزمة منتصف العمر التي تُرافقني مذ كنت في سن الصبا. أغرق في فطيرتي الرأس بيروتيّة. ألتهم أوهامي وجنون العظمة الذي يقيني حديقة الخيبات التي تجسّدها الحياة. وسرعان ما أنتبه بأن ذكرياتي، في الواقع، وحدها تلتهمني.

