كل أسبوع، (مع الأخذ في الاعتبار خطط الحياة وإفتقاري للانضباط والهيكليّة - ومزاج يُكافئني بابتسامة ساخرة غالباً ما تقودني إلى دوّامة جهنميّة)، سنزور مكتبة بيروتيّة تعمل جاهدة للحفاظ على قصة الحُب هذه التي نحتضنها بين اليدين.
نقلب صفحاتها بفرح وإن كان البطل يُخطّط لدمار العالم. والبطلة مُنهمكة في منافسة حُب حياتها على الفوز بجائزة "ملكة النكد".
تختار لنا أحد الكُتُب، لنتطفّل على أروقة حياة أبطاله السريّة. ونوثّق، بطريقة أو بأخرى، يوميّات عاصمة إشتاقت إلى ناسها. وتبحث، تماماً مثلنا، عمّن يُحبها.
البداية مع صنوبر بيروت. وهي دار نشر ومكتبة بيع تنشر نصوصاً تروق للمالكة هالة البزري، "نصوص - بتعنيلنا. منبيع كتب، أفلام، موسيقى". تواصلت معها على غفلة بعد لقاءات عدة في مكتبتها السحريّة القائمة في شارع مونو. هتفت بلا مقدمات: "هالة، ما رأيك أن تختاري لنا عشرات الكُتب من أرجوحتك السريّة، برفوفها، وألوان جدرانها، والصور والمُلصقات المنتشرة في كل الاتجاهات؟ هي الطريقة الفضلى لنعود إلى الكتاب".
كانت البزري تشكو لي تقصير بعض وسائل الإعلام في تسليط الضوء على كُتب الأطفال والناشئة. فقلت لها: هيا بنا نرسم قدراً جديداً للكتاب في هذه الفسحة الإفتراضيّة التي باتت صورتها النهائيّة تكتمل
فكان آخر إصدار لجهاد درويش، الحكواتي اللبناني المُلقّب ب"أب الحكواتيين":
"النسّاج حسن". فتى تعلّم أصول النسج من أفراد عائلته. ولكن المهنة لا تمنعه من الحلم. وأن ثمة آلاف الحقول المديدة خارج نطاق قريته الصغيرة.
فإذا به يُسافر ليكتشف البلدان وأسرارها. وربما يعود إلى قريته ليبني حياته بطريقة أكثر وعياً. أو ربما يعود إيماناً منه بأنه، إستحق بعد هذه الرحلة الطويلة حب صبيّة تشغل باله وتقطن عقله. جهاد درويش يُقيم في فرنسا منذ عام 1983، ويُتقن فن الحكاية منذ ما يُقارب الاربع عقود.
مقابلة واحدة جمعتني به، حتى الساعة.
منذ ما يُقارب ال30 عاماً في مكاتب جريدة النهار القديمة في شارع الحمراء الحبيب.
أذكر جيداً أننا جلسنا في الطابق الثاني. إخترنا آخر غرفة في الرواق الطويل المنقسم إلى غرف وأقسام. لم نكن بمفردنا، بل كانت كل طاولة تستقبل بعض الصحفيين. يُمارسون الكتابة هواية وبعضهم الآخر يعيشها قصة طويلة لحجرة ضيقة ستوصله إلى الشق الثاني والأخير من حياته.
لا أذكر الكثير عن هذا اللقاء، ولكنه كان يبتسم طوال الوقت. وأكّد لي بأن والدته كانت تروي له الحكايات وهو لا يزال يقطن أرجوحة الطفولة.
والدته، كما وصفها، كانت الحكواتيّة الأولى التي تعرّف إليها.
اليوم، هو أحد ألمع الحكواتيين في العالم العربي، ويعمل على تدريب مئات الحالمين بنشر فن القصص الشعبيّة، تماماً مثله، في كل الأماكن التي تُقدّر الخرافات والحكايات الرمزيّة المأخوذة من واقع الحياة في أكثر الأحيان.
هالة لم تنته بعد من قراءة القصة، ولكنها وقعت في حب أسلوب جهاد في السرد. أضف إليه رسوم الفنان رؤوف الكرّاي.
إبن بلدة المروانية الجنوبية يعرف جيداً كيف يروي سير الأبطال الذين أجبرتهم الحياة في بعض الأحيان على إرتداء الهذيان كمزاجهم الصادق. كما مكّنته من رواية قصص هذا البطل المختل بعض الشيء وكأنها رسائل ثمينة ستنشلنا من الفقر...وحالات الزمان عليك شتّى...
طقطقة خافتة، تغير مٌفاجئ لنبرة الصوت في هذا المقطع، أعداء بارعون لطيفون...
مُدرّب الأجيال هذا نشر أكثر من 35 كتاباً في الأدب الشفهي والحكاية الشعبيّة.
لا وقت لديه للخمول أو الفراغ. إلى داخل الكتاب، لنكتشف كلمة فأخرى، أن علاج الفراغ والخمول هو الحلم. والأهم منه، السعي إلى تحقيقه.