الفرن صغير، يقع في زاوية في الحيّ الأقرب إلى قرية بيروتيّة.
قد أختار منقوشة بالزعتر، ولكن المشكلة أنني في الطريق إلى العمل وقد تتوغّل قشرة من الزعتر بين أسناني، فيتحوّل الضحك مشروع فضيحة صغيرة نحتفظ بها، عادة، لقصص حبنا الغارقة في قلب المحيط الأطلنطي، أي الأطلسي
منقوشة بالجبنة إذن.
واحدة فقط، لأن الكالوريهات تتكدّس (عن بو جنب).
الرائحة الشهيّة تمتزج بوعود فرن الحطب بتقديم الجبنة السائحة في كل الإتجاهات، لاسيما خارج الفم لتُزيّن أحياناً الخد.
الإنتظار طويل، أطول من إنتظارنا ذاك الرجل (الخلنج)، الذي وعدتنا به سلسلة روايات (عبير) بقدرتها على تدمير كل علاقاتنا....وفجأة نظر إليها بغضب مخملي يُنبئ بالبدايات هي التائهة بين عضلاته وشراسته، وعنفوانه...ورائحة المنقوشة تنساب في كل الإتجاهات.
لا تأخذ في الإعتبار وعدي لنفسي بأن أصبح رشيقة، نحيفة، يخترق جسدي بالإبرة بترنّح يليق بشيء ما نسيته وأنا أحدّق في فرن الحطب ورقصته الناريّة.
يدخل رجل أقرب إلى الشباب منه إلى المرحلة الثانية والأخيرة من عمرنا.
يطلب منقوشة بلحمة.
منقوشتي تتلوّى في كل الإتجاهات على سطح فرن الحطب.
بأمر من الفرّان وإخراجه.
يُشارع الرجل - بكل ثقة وبلا خجل- الفرّان لأن المنقوشة إزداد ثمنها 20 ليرة من الأسبوع الماضي.
عادة بيروتيّة قديمة.
نُشارع لنثبت أن لنا وهرة وحضور ورأي.
حتى في سعر المنقوشة.
أنتطر بصبر أن ينتهي الفرّان الطيّب من تسجيل نقطة على الزبون في سجل النقاشات الحامية التي تدور عادة في فرن الحيّ.
يداه ملونتان بالدقيق، وبين إحتدام النقاش حول ال20 ليرة وعبق الصباح، ووعودي لنفسي التي نادراً ما أفي بها، يُراودني سؤال مصيري:
"شو كان صار لو أنني طلبت منقوشة بزعتر؟ وماذا لو تسللت قشرة من الزعتر أم السمسم بين أسناني وشوّهت ضحكتي، وجعلتني أبدو كتانت متصابية لا ينقصها سوى شحطة من أحمر الشفاه على خدي الأيسر - في إتجاه الزاوية السفلية
يستدير الرجل الجائع والدقيق في مصروفه وعيناه تطلقان الشرر. يهمّ بالخروج ثم يعدل عن لحظة عز وكرامة عابرة متمتماً:
"بس لو ما كنت جوعان"
هزيمة صغيرة.
وفجأة أنتبه أن فرن الحطب هو في الواقع على الغاز.
هزيمة شاعريّة صغيرة أخرى!