أوقف السيّارة خوفاً، حالما اقترب من الجامعة اللبنانيّة القائمة في فرن الشبّاك. اتصل بصديقتي ألين في فرنسا، وأقول لها بيأس:”أعلم أنه سيهينني ويجد طريقة ليجعلني أشعر أنني فشلتُ في حياتي”. تضحك بصوت عال وتصرخ:”لماذا تُعرّضين نفسك لفنانين مجانين؟ لماذا أنت مازوشية؟”. سؤال يجب أن أخصّص له دراسة وجوديّة لاحقاً. أقترب أكثر فأكثر من الصرح الأكاديمي العريق، وأركن سيارتي بحذر. أين المُشكلة إذا غيّرتُ رأيي وإخترعتُ له ذريعة بأن كوكب زهرة ناداني لأتبع قدري وأصبح أخيراً نجمة كباريه في صفوف فضائه، ويجب أن ألبّي النداء؟ “الهريبة تلتين المراجل”. أمشي الهوينى في الأروقة المُظلمة وحيث الحرّ يترنّح على الجدران. حتى إنه ينضح من البلاط المكسّر. ما أن أدخل الصف حيث سأمضي معه 3 ساعات حتى يهتف الممثل والكاتب والمخرج غبريال يمّين (غابي) بتعاليه المُعتاد، “إيه أهلا هنادي. هي بنت الديري. بنت الياس. بس ما عرفت ركّزت حالها متلو.” أهديه رواية “الفارس القتيل يترجّل” لأبي. يأخذ الكتاب منّي بلامبالاة:”صرتي جايبتيلي ياه أكثر من مرة”. بداية واعدة، وربما من الأفضل أن أنضم إلى صفوف راقصات الكباريه في كوكب زهرة فوراً، إذ أن الصاروخ على عجلة من أمره!



نتشاجر أمام تلامذته:”ما عرفتي توصلي لمستوى بيّك!”(جريمة سريعة قبل أن أنتقل إلى رقصة الكان – كان في كوكب زهرة؟) فيضحكون عالياً على إعتبار أننا “ختياريّة ببعضنا وإلا ما نحلّها حبياً”. صداقتنا مُستمرة منذ أكثر من 30 عاماً لم يرحمني خلالها يوماً. صراحته المُفرطة وتشريحه للطبيعة الإنسانيّة تفاصيل جعلتني أصاب بعشرات الصدمات بعد كل لقاء:”إنتي بتنفّري الواحد منك. إنتي بتغاري. إنتي مدعوسة. إنتي الرجل بيشوف قوّتك الداخليّة وبينرعب”، أكتفي بهذه الباقة لكي لا أسبح كالضفدعة المفجوعة إلى كوكب زهرة لأصبح راقصة كباريه مُتصابية. ومع ذلك، إستمرّت الصداقة. عندما علمتُ بمرضه خلال الحجر الصحّي في العام 2021، جرت العادة أن أتصل به بلا توقف. وكان يُعطيني المعنويات. يطلب مني أنا أن أواجه الحياة بشراسة وإيجابيّة، وأن أضع الهدف يليه الآخر لأن “الحياة بلا هدف هي الموت. المرض لا يُعادل الموت بل إفتقارنا لهدف نعيش من أجله هو العنصر الذي يُقرّب النهاية. إنتي عشتي كتير طلعات ونزلات. لازم تكوني ممنونة”.






أرافقه في رحلته الصباحيّة في هذه الغرفة التي زرتها مراراً عبر السنوات، لأكثر من 3 ساعات. ألتقط له مئات صور سأحتاج إليها لاحقاً لإنجاز قصة(أعلن عنها في وقتها) عنه أطير فرحاً لألقي من خلالها التحيّة إلى هذا الصديق “الظالم” الذي رافقني في كل مراحل حياتي. أعرف غضبه جيداً. يصرخ على التلامذة. يدفع الطاولة أمامه بشراسة لينضم إليهم حيث خشبة المسرح الإفتراضيّة لتكون الإرشادات والنصائح مُترجمة، مُعالجة أمامهم. خارجة عن نطاق النظريات والشرح. عيناه جاهظتان عندما يُراقبهم. يضرب الطاولة بيده عندما يخفقون في فهم الفروق الدقيقة. ينظر إلى مُساعدته بخيبة عندما لا “يمسكون” الشخصيّة. يُمثّل هذا المشهد وذاك أمامهم عشرات المرات. يقفز، يرقص. جسده النحيل الذي لم يتمكّن منه مرض يُرافقه منذ سنوات، يرفض التوقف عن العطاء.”الأسبوع الماضي لمن تلفنتيلي، كنت بالمستشفى عم بعمل عمليّة”. عندما أقول له أن كل الذين يعرفونه يُرددون أنهم يخشون قدرته على رؤيتهم عل حقيقتهم، يُجيب بواقعيّة:”كل الناس هيك. بيخافوا نقشعن. الممثل وحده يظهر على حقيقته على الخشبة. الباقي كلّن ممثلين. أبني ربيته على مبدأ أن يكون على طبيعته. أقول له:”بابي، ما في إلا الحقيقة بتخلّصك. كون ع طبيعتك. لأنو ما بتعرف الناس كيف راح تقراك. كون حقيقي بتكون عملت واجباتك”.





التلامذة، من كل الأعمار، يعشقونه. يُقبلون يده. جبينه. يمسكون بجسده الهزيل عندما يُصر على أن يدور ويلتوي ويتمايل. “إذا قعدت بالبيت ساعتها بموت”. خلال هذه السنوات الطويلة، لم أسمع أنه إرتاح يوماً. عندما كنت أشطح في رحلاتي الوجوديّة بين عطاء وآخر، كان ينهرني. “لازم تعطي فوق طاقتك”. يضيف فجأة، بين ملاحظة لهذا الممثل، وعيطة لتلك:”ما في ولا قصة بتسمعيا بالحياة حقيقية”. أذكّره بجلسة إنضمّت إليها والدته، قبل أكثر من 20 عاماً. كنا في منزل والده. قال لي آنذاك جملة أرعبتني:”بتمنى إنصاب بهيداك المرض تحتى إفهم أنو بالحياة لازم ما نوقف ع التفاصيل. وأنو الحياة أكبر من التفاهات”. أكافح دموعي في الصف، أمام التلامذة. يقول لي بهدوء:”روّقي حالك، وبعدان كفّي. وع فكرة إمي ماتت”. أسأله عن سندريللا، هذه العاشقة التي أعطت أبعاداً ثلاثيّة للحب. أذكر أن والدتي قالت لي قبيل رحيلها بكم يوم، وبعدما شاهدت أحد البرامج التلفزيونيّة وفيها غابي وسندريللا يتحدثان عن تغلبهما معاً على مرض إختار أنبل إنسان (على الرغم من الجرائم التي إقترفها معي بإسم الحقيقة):”هالبنت بتحب زوجها. تماماً متل ما أنا حبّيت بيّك”. طلب من سندريللا أن تحافظ على جمالها. وهذا ما حصل. بالنسبة إلى هذه العاشقة الرائعة الجمال، “غابي دنياها”. وهو يعترف بأن لولاها، لتمكّن منه المرض منذ أعوام”.


(الصور ال3 الأخيرة، أضف إليها صورة الغلاف من توقيع الرائعة مايا نعمة)
عندما أحرجه في أسئلتي، تحزن وتغضب مني تلميذة هي مساعدته الحاليّة. أبتسم. ربما كانت هذه اللحظة أكثرها تعبيراً وتلخيصاً عن كل ما يُمثّله هذا الرجل بالنسبة لنا جميعاً. هو السند. أتصل به بعد أسابيع من هذا اللقاء لأتأكد من أن ذاكرتي “ما خانتني” وأنه بالفعل ترجم أكثر من 100 مسرحية حتى الساعة ليتسلى. يُجيبني بوهن وكأن ثمة آلة طبيّة في فمه. ولا أجرؤ على الإستفسار أكتر، “إيه هنادي، إيه حبيبي، صاروا هلقد”. خلال هذه الساعات القليلة في الصف، سألته عن مئات النصوص التي كتبها ولم تُبصر النور بعد. أجاب باستسلام:”في منن ما خلّصتن. لشو؟”. وشعرتُ في تلك اللحظة بغضب كاد يقتلني – أو اٌقلّه يُرسلني مباشرة إلى كوكب زهرة. ها أنا أحاور آخر العظماء. والمعنيون يغضون الطرف عن الإبداع الحقيقي والمواهب الشاهقة. أهمس له قبل أن أغادر الغرفة التي زرتها مراراً عبر السنوات:”راح ضل حبّك كل حياتي، مع إنك سئيل و(كلمة نبيلة أخرى لن أضيفها إلى النص)”. لا يشيح بنظره عن التلامذة وهو يقول:”بعرف”. يضحك الجميع . وكأنهم سمحوا لنا بهذه اللحظة الحقيقيّة، “ختياريّة ببعضنا”.

