رواية المدينة هذا المساء، ناعمة، والبحر يحضن اليخوت الشاهقة برمزيّتها، والمُزخرفة بطيف حيوات تتربّص خلف إطار ينطوي على إنضباط مدروس للنفس.
أناقة نحتت إطلالتها بدقّة تغمز إلى ذاك الجنتلمان البيروتيّ الذي كان يختار ربطة العنق بعناية ولا ينسى رشة أو ربما أكثر من عطره الكلاسيكي الذي لم يستغن عن تأثيره من سبعينيات القرن المُنصرم.
الناس يمشون الهوينى على رصيف الزايتونة باي البحري الذي يتكل على الأضواء المُنبثقة من المطاعم والمقاهي الملاصقة له ليُسهّل للزوّار نُزهتهم الليليّة.
أضف إليها ضوء القمر المحمّل بوعود أكثر إشراقة من بريق البدايات...
والأحاديث المُختلطة تُشبه مدينة ربما هجرناها في لحظة إنبهار عابرة، أو لحظة غضب عارم، بيد أننا نستمد ما تبقى لنا من قوة من جموحها.
الأحاديث تتشابك. البعض مُنهمك في حل لغز الحياة بجديّة مُحببة.
والبعض الآخر يكتفي بمناكفاته مع جيران الحيّ، وأوهامه التي يعيش من أجلها.
خلفيّة سينمائيّة لمشهد هذا المساء الناعم.
وكأن الأحد بإمكانه أن يكون ناعماً، هو المُجرم الذي "شغلته وعملته" أن يضعنا وجهاً لوجه مع إنكساراتنا.
كم من قصة حُب سيخفّ وهجها، هذا المساء، عند آخر الرصيف البحري، فتبدأ قصص أخرى .
وليذهب جيران الحيّ ومواجهاتهم الضارية بعضهم مع بعض إلى رقعة بعيدة عن المدينة الحسناء.
وعلى بعد خطوات من البدايات ونهاياتها، غاليري صغيرة تُعطي أبعاداً شاعريّة للفن وكل ما يُجسّده من هروب وومضات حريرية من حياة زاهية، نابضة بتطوّراتها التي تُفاجئنا باستمرار.
غاليري "أراميه" المُتخصّصة بالفن الأرميني العريق، وحكايات مئات الفنانين والمرسم الذي إختارته مُخيلتهم ليتعاطوا بما يُشبه الرُقي مع حياة مُرتبكة ويوميّاتها المُرهقة.
هذا المساء، هي الفنانة، موكو خاتشاتريان التي تتنقّل بين ييريفان وموسكو. لا تشبع من الترحال. أو هكذا تبدو.
لن نُقابلها، على إعتبار أنها توجد حالياً في موسكو، ولكن لوحاتها الأقرب إلى عاصفة عاطفيّة تليق بالبدايات التي تتفتّح حديثاً فآخر على الرصيف البحري، وتُمهّد للحظات يخال للعاشق أنها لن تنتهي، على إعتبار أنها تسبق القبلة الأولى.
فلتذهب النهايات إلى كوكب آخر، أو مدينة أخرى لا تُشبه مدينتنا المُتأرجحة باستمرار بين العنف وبعض سلام.
عنوان المعرض، "التحرّر الإبداعي".
الفنانة، بكل تأكيد حالمة جوّالة تبحث عن أصالتها والقصص المُتربصة خلف جذورها.
ضربات فرشاة رسمها إحتفاليّة، ولكن ألوانها لا تميل إلى الصخب بإستثناء بعض لوحات.
هي ناعمة في إقتحامها حياة لم تكن يوماً ناعمة.
تُشبه، إلى حد بعيد، بدايات قصص الرصيف البحري ونهاياتها.
بعض الألوان والخطوط تعيش بحريّة مُطلقة على الكانفا. تُرافق الخطوط والأشكال الأخرى من دون أن تلتحم بها أو تتدخل في مسارها الفني.
الخطوط على الكانفا تتنفس معاً.
خط يتنفس بداياته.
وخط يُمزمز نفس النهاية الأخير.
بعض الخطوط "معصّبة"، تُحاول أن توقف مسار الخطوط الأخرى.
ومع ذلك، تطل اللوحات، في صورتها الأخيرة، ساكنة حتى في تهوّرها.
الرصيف البحري، بأحاديثه المُتشابكة، وقار اليخوت، وإصرار البعض على مُراجعة محتوى حياته على عجل، لا يعيش هاجس التحرّر من أي موضوع مُلحّ.
الخطوط التي تنساب في كل الإتجاهات داخل فصول اللوحات؟
قد تعكس بعض ما يجري على الرصيف البحري حيث البدايات ونهاياتها المحتومة .
لكن، يا أخي، دعنا من النهايات.
عجقة الرصيف البحري - هذا المشهد الخلفي الذي يحضن برميل الأحلام والآمال - ويحمي الغاليري الأنيقة الصغيرة من إرتدادات الواقع- نفهمها بطريقة أكثر وضوحاً غداً.
أما الخطوط "الهوجة" على الكانفا"، فلا تُحاول أن تفهمها، يا أخي.
هذه الفوضى المُتشابكة، هي العالم الداخلي للحالمة الجوّالة التي ما زالت تبحث، كما يبدو، عن ذاتها.
فلتذهب البدايات والنهايات إلى كوكب آخر.








