أراقبه منذ بضعة أسابيع. يروقني وقاره وتعابير وجهه الفارغة، عيناه الغائرتان. أسترق النظر من خلف ستارة غرفة النوم. في كثير من الأحيان، ينظر إلي مباشرة. على غفلة. ولكنني متأكدة من أنه لا يراني. عودته إلى الواقع لهنيهات ما هي أكثر من رد فعل. يجلس على الشرفة معظم الوقت. الأصدقاء والجيران القدامى يُطلقون عليه لقب "البحّار". أيام العز، كان هذا الرجل ينعم بحياة أشبه بوليمة دائمة. اليوم يجلس بهدوء فارغ على الشرفة المديدة المُزخرفة بالنباتات والأعشاب والورود على أنواعها. ريعان المطر الذي حضر باكراً هذا العام، لا يزعجه. عندي شعور بأنه لا يلاحظ تهديداته المستمرة في تعكير صفو أيام الصيف الأخيرة. يحتسى القهوة تليها أخرى. تقدمها له زوجته الأنيقة. الصمت بينهما سلس، خفيف، ومليء بذكريات لا تنضب، مموّهة عن العيون المفترسة. ربما عيني.
قهوته الصباحيّة تمتد إلى المساء.
يفتح بين الحين والآخر صحيفة أجنبية. أشعر أنه لا يفهم ما تلتقطه عيناه من كلمات.
في هذه الزاوية من رأس بيروت، الشرفات الصغيرة تخفي خلف الحجر المُنمّق والحديد المُزخرف هدير الماضي الشاهد على "طلعات ونزلات".
أين المشكلة إذا كان هذا الرجل الوقور لا يُفرّق بين الأمس واليوم؟
تقدم له زوجته كمشة من الصنوبر المحمص .
يستغرق الأمر بعض الوقت ليستوعب أن عليه أن يفتح فمه.
يتناول الكمية الكاملة في لقمة واحدة.
تضحك زوجته من كل قلبها.
فجأة ينظر إلي مباشرة ويغمزني.
وجهه مثل الهلال.
ألوح له بيدي.
ولكن الفراغ سُرعان ما يقطن مُجدداً في العينين الغائرتين.
عندما أخبر والدتي عن الإحترام الذي تكنه زوجته له وصبرها مع تدهور صحّته العقليّة، تهتف ضاحكة:
"ولكن زوجته توفيت منذ أكثر من عشر سنوات. وهو يعيش بمفرده المسكين. 5 أولاد ولا أحد يسأل عنه. يا ضيعان هالثروة بهالولاد"