مساء بيروتي يستريح على نسيج من الروائح الخياليّة للغاية، تُمهّد نسماته الهاربة للشتاء القادم لا محالة. ربما “بهالكم يوم الجايين”.
الناس يُسرعون على أرصفة الشوارع على وقع أضواء الميلاد المُتناثرة في مكان ما في أحلامهم. بعضهم يُسرع للوصول إلى مكان ما، والبعض الآخر يُسرع هرباً من نقطة الوصول.
في كليمنصو، وتحديداً في شارع مي زيادة العريق، تستقبلك المباني الأثريّة بقامتها المهيوبة المسكونة بنسخة عتيقة لعاصمة لم تمل بعد من إرتداء ثوب لتستبدله بعد فترة قصيرة بآخر… وبعض طيور تستقر على أغصان الأشجار العتيقة بحثاً عن لحظة آمان عابرة.
هذا المساء المطلوب منّا أن نضع عقدة صقل مهاراتنا جانباً. الفكّ، من فضلكم، غير مشدود. والفرح، أينما وُجد، سريع الخطى، يتبختر نحونا بزهو يسمح لنا بالإستمتاع بتألق الشمس في عزّ الليل. وليل بيروت لم يكن يوماً باهت اللون، مُنهمكاً بتفاصيل الحياة الصغيرة التافهة.
هيا بنا نقع في الحب في هذا المساء البيروتيّ. نحتفل بعيد الميلاد المجيد قبل وقت طويل من وصوله. نُقلّد هذه الشابة الخمسينيّة التي ما زالت تؤمن بالبدايات- وبيناتنا- تعيش إضطرابات وهميّة محتومة. وشارع مي زيادة الراس بيروتي قحّ يستر عيوبنا، هو الشاهد على إنقلابات شرسة وقصص حُب أكثر خطورة من الحروب.
ميريام شومان، العقل المُدبّر خلف
L'Agenda Culturel
تدعونا، نحن الذين ما زلنا نحلم- تماماً مثلها- إلى أمسية نختلط خلالها بعضنا ببعض، نرفع الكؤوس ونتقاسم المشاعر الطيّبة التي لا تخلو من القليل من النكد الرومنطيقي الذي يأتي على شكل:
"وين الرجال الحقيقيّة؟ معقول صار الرجال يضطلع بدور الأميرة عوضاً عن الأمير؟ أو أقلّه، يا أختي رجّال عادي؟"
أبناء المدينة التائهة بين مئات النسخ القديمة لحيواتها السابقة يحتفلون بالثقافة، والذاكرة والنجاة. يؤجلون ال"دايت" للغد، وينغمسون بالمشهيّات وبعض ما يواسي النفوس. أصدقاء جُدد. أصدقاء حروب الحياة القديمة، و"رزقالله ع هيديك الإيام. ما في يوم بيروح بيجي متلو".
هذه السنة، أصرّت ميريام شومان أن تضطلع الأجندة الثقافية المستمرة منذ تسعينيات القرن المُنصرم وورثتها من والدها - عاشق الثقافة - بأكثر من دور في تسليط الضوء على الفنانين وهمومهم الصغيرة ليس فقط في لبنان، بل نقلت شغفها وتمسّكها بكل ما يُجسّد الأمل، إلى فرنسا، بكل مناطقها، ليكون للفنان اللبناني لحظة عزّه في النسخة الفرنسيّة للأجندة.
وصحيح أن الأجندة تُنشر في اللغة الفرنسيّة منذ إنطلاقتها، بيد أن ميريام، أسست في تشرين الثاني المُنصرم، في وقت كانت فيه الحرب تُرافق تنهيداتنا،
L'Agenda Culturel France
ليحظى الفنان اللبناني المُقيم في فرنسا- أو يُقدم رؤية فنية أو أخرى في البلد- بالفرصة ليظهر للعالم قدراته وبعض لمسات من جنونه.
ومذّاك وهذه المرأة التي تعشق الخلق، تعمل ما بوسعها، مع فريقها الصغير، لتكون مكاتب الأجندة - حيث نجتمع هذا المساء - الملاذ الآمن والخلاق للفنان اللبناني في البلدين.
...الأمسية ما زالت في أولها
شومان - التي تصون الإرث كما تُصان لحظات الحُب المسروقة من بين دفّتي كتاب الواقع- تُريدنا أن نحتفل بالحياة كما نحتفل بالثقافة. والشرفة الشاسعة تطل على شوارع كليمنصو الضيّقة و بيوتها التي تخفي أسراراً ما بعدها أسرار.
ومكاتب الأجندة مُزخرفة باللوحات والكماليّات الخلاقة، وعشرات الدفاتر الزاهية. والأصدقاء الجُدد تماماً كالذين خاضوا معنا عشرات المعارك مع حياة لم ترحمنا يوماً، يتقاسمون الضحكات غير المكبوحة، آخر إصدارات الكُتب، ويُتابعون أحاديث بدأوها قبل عامين ومنعتهم الأيام من مُتابعتها، تأتي على شكل: "بعدك عم تمشي ع الكورنيش؟"
الثقافة ليست مهنة، بل هي أسلوب حياة.
وميريام لا تُحافظ فقط على ذاكرة والدها، ومن خلاله ذاكرة المدينة، بل تكتب ذاكرة جديدة للمدينة.
وربما كانت هي الأخرى تعيش إضطراباً وهميّاً كصديقتنا الخمسينيّة التي ما زالت تؤمن بالبدايات.
ولكن، ما لنا ومال هذه التحليلات؟
هيا بنا نقع في الحب، هذا المساء!














