كانت خطواتي بطيئة، وكاتبة الأطفال فاطمة شرف الدين سبقتني بأشواط. لم تتوقّع أن تكون هذه المرة الأولى التي أمشي الهوينى فيها في فرن الشبّاك البعيدة بعض الشيء عن حبيبتي الأولى، رأس بيروت.
ولذلك تفاجأت قليلاً عندما إلتفتت فجأة ووجدتني على الرصيف المُقابل مُنهمكة في إلتقاط عشرات صور للمباني العتيقة، والمداخل المُزخرفة بالأشجار، والكراسي التي تتحوّل ليلاً، إلى فُسحات قُرويّة يُراقب منها السُكّان زوّار الشوارع المُتفرّعة من الشارع الرئيسي العريض. يُهرولون في إتجاه الحانات والمقاهي الصغيرة، ذات الطابق التقليدي، أو (الموديرن) بجدرانها (المدروزة) بالهمسات، وبعض قصص الحُب التي تجتاحنا كالعاصفة.
فُسحات قُرويّة ترسم صورة واقعيّة عن حياة لم تكن يوماً سهلة. ومع ذلك فهي جميلة.
والكاتبة التي قرأتُ لها حتى الساعة أكثر من10 كُتب، وأمامي بعض الوقت لأنهي الكُتب ال160 التي وقّعتها بأصداء فرحها للأطفال والناشئة، تُحاول أن تنتظرني. .لكن خطواتي بطيئة
هذا الدرج القصير المؤدي الى المنزل الأرضي فضاء بحد ذاته. وكأنني أسمع الشرفات تتنفّس بما يُشبه الملل. تنتظر الحكايات. وقصص الحُب التي تجتاحنا كالعاصفة. تُريد أن تعيش من خلال البدايات. الفضاء الخارجي أمام مدخل هذا المبنى القديم مُزخرف بكراس وطاولة صغيرة.
كوب من الشاي و(كمشة) بزورات هذا المساء؟
مُراقبة (الرايح والجايي) لم تكن يوماً مسألة عاديّة يُستهان بها.
والأزقة تُراهن على أصوات الأطفال لتُعيدها إلى حياة، لا وقت لديها لتنتظرنا. فاطمة تتمهّل قليلاً بين عشرات الخطوات والأخرى لتُشير إلى بيت قديم، ومحل للخُضر إفتتح حديثاً، يتباهى بعرض مُنتجاته الطازجة داخل المكان وأيضاً على رقعة من الرصيف. وفرن يستقبل السكّان والمارة الذين ملّوا الإستعجال.
تختار كاتبتنا فُسحة (زمرّد) الحميميّة لنجلس فيها ونتحدث عن كُتبها وسيرتها مع الكلمات والأطفال والناشئة.
تتحدث ببطء وسكينة. تأخذ كل وقتها في السرد. المشي وحده يستدرجها للإسراع. الحكايات لها إيقاعها. ولحكايات فاطمة شرف الدين مع كتبها ال160 نص طويل لاحقاً.
الآن، يجب أن أجد طريقة ليدعوني السكّان لتمضية أمسية أو أكثر معهم في الفضاء الخارجي، في هذه الأزقة الضيقة والشوارع شبه المنسيّة.
أين المُشكلة إذا دعوتُ نفسي إلى (مسويّة) شبه قرويّة معهم؟ لقد عرّضتنا الحياة لمواقف أشدّ خطورة وأكثر حرجاً.
في طريق العودة إلى السيّارة التي ركنتها بعيداً عن هذه القرية المُعلّقة في الزمن، تبذل فاطمة جهداً كبيراً لتمشي الهوينى معي. وأنا مُستغرقة في التفكير وأخطط كيف سأقرع الأبواب وأدعو نفسي إلى الإنضمام إلى جلسات الفضاء الخارجي. ومُراقبة (الرايح والجايي)
صباحيّة غير مُتوقّعة.
لقد فهمت أخيراً أن الإنغلاق على الذات أوالإسترسال في الحزن لا ينفع أحداً ولا يُعيد إلينا أولئك الذين أخذوا معهم حكاية كاملة لن تتكرر. المشي في المدينة هو الكتابة التي أحتاجها لأعود إلى الحياة ومن يعلم؟ قد أقنع فاطمة بالإنضمام اليّ في قرع الأبواب، وطلب المُشاركة في طقوس هذه القرية المنسية. وبالإذن من حبيبتي، رأس بيروت.