صمت المدينة يليق بدفاتر العزلة. والنظرة الجانبيّة لا تُنذر بعد بالبدايات. تُمهّد لها بين نوبة غضب ساكنة وخجل مُفجع من بعض الذي حصل في الطريق إلى اللاشيء.
شقتي البيروتيّة الشاسعة والستائر المُغلقة بإحكام في كل الغرف والشرفات، تفاصيل تجعل منّي بائعة مُتجوّلة مُتخصّصة بتوزيع سٌلعة الإنتظار.
أتجوّل من غرفة إلى أخرى. من ذكرى إلى أخرى.
وجدتُ في حياتي إيقاعاً جديداً أكثر رقّة، ورغبة في أن أعيش مُختبئة.
لا وقت لدي لأهرول من نشاط إلى آخر.
متى يعود الذين رحلوا؟
صينيّة صغيرة وعدد راعب من مُستحضرات التجميل تتزاحم داخلها. تتداخل. تستقر على وجهي وبعضها الآخر على مختلف أنحاء جسدي.
لم تعد النظرة الجانبيّة تليق بالمكان الذي أقف فيه اليوم بعد عامين من سرد يوميّات اللاشيء في دفاتر العزلة.
سأخرج من سجني المديد لأكتب، مجدداً عن الآخرين. أزخرف سجنهم بأوهام أعرف جيداً أن أحيكها وشاحاً دافئاً لأغلّف فيه دفاتر عزلتي وإيمانهم المٌفرط بأنفسهم.
الأوهام، كانت في الحقيقة، التعبير الأقسى لحياتي.
بتت أخاف من البدايات.
أدمنتها باكراً، ولكنني اليوم أترنّح بين عالمين. وأوهام تمرّستُ في أصولها باكراً.
رحلة الشفاء طويلة. وما زلتُ عالقة بين عالمين. وبعض أوهام أتقنتها وسيطرتُ على نزواتها في أوقات فراغي النادرة.
إشتقتُ إلى شالي الأحمر وفتحة فمي الغبيّة التي تُمهّد للمصائب الشهيّة، ومُبالغة خصري في الرقص على إيقاع البدايات.
بائعة تائهة مُتخصّصة بنشر التوعية حول مخاطر الإنتظار.
في شقتي البيروتيّة المديدة، تزورني الراقصة غير المُهذبة التي تقطن حنايا روحي. نسيتُ إسمها من فرط إنصهاري بالعزلة.
وجسدها الحرّ ينساب بمخمليّة لا تعترف بحزني نحو الأرض.
متى يعود الذين رحلوا؟
أحياناً أزور رواق الحُب الذي كتبته رسالة مُتهوّرة فوق بساتين الحذر.
هو أيضاً يحتاج نظرتي الجانبية لكي يُبرعم خارج دفّتي دفاتر العزلة.
بائعة مُتجوّلة مُتخصّصة في بيع الأوهام.
والجسد الحرّ يلتف حول الستائر المُغلقة.
يُذكرّني بأن الوقت قد حان لأدخل قصة حب جديدة بعد هذا الإنقطاع الطويل.
أغلق دفاتر العزلة، وأذكّر نفسي التائهة بأن هذه الراقصة التي تقطن حنايا روحي، بجسدها الحرّ الذي يلتوي بشبق لا يليق بالستائر المُغلقة، هي في الواقع أنا.