لم يعد الصيف في ذروته، ولكن إحتفالات الإبداع لا تزال مُستمرة في منزل غادة شليطا نعمة منذ فترة لا يُستهان بها. وأنا في أمس الحاجة لركوب حافلة العودة إلى الحياة. أحتاج إلى تجديد أدوات المطبخ، والإحتفال بكلبتي المُدللتين، ستروبيري وبلو، اللتين نسيتا هويتهما وتطالبان الآن (بلا زغرة) بأكسسوارات راقية (مُتفزلكة)، تماماً مثلي. أما الكناري هنري المغرور جداً، فيحتاج إلى بعض التطريزات في منزله الدائم. وغادة، “بنت عين الرمانة الخلقانة بعيلة مُتوسطة”، أصبحت، بعد 30 عاماً من التعليم، تلميذة الإبداع. وصحيح أنها لا تفتعل ضجّة كبرى في طريقها لتحقيق أحلامها الجديدة، بيد أن زهرة الربيع تترنّح في منزلها. وهي أكثر من قادرة على تزويدي بكل الكماليات التي أحتاج إليها لأرضي ستروبيري، بلو، وهنري. وفي الطريق، “تُلبّيني” بالهدايا التي سأحضرها معي عندما أعود إلى الشمال بعد إنقطاع وعزلة. ال”فابولوس بيزنيس” الصغيرة التي أسستها في منزلها بدعم من عائلتها ستكون تذكرتي إلى تعويض فشلي الذريع في صنع فطيرة الخوخ الشفافة عندما تنساب المكوّنات غير المروّضة على الطبق المُطرّز بأجمل الأشكال والألوان من “ديّات غادة”. وسأطلب منها أن تكتب (تحفر؟) عليه جملة داعمة تخفي فشلي المُتكرّر في المطبخ:”خيرها بغيرها” أو إذا أردتُ أن أكون أكثر بلاغة:”الأوقات العصيبة نُزهة عابرة”!
“البابا كان متعهد ورش أدوات صحيّة. ما كان كتير متعلّم، بس قتل حالو لحتى يعلّمنا. وأنا تعلّمت بالجامعة اللبنانية (بيولوجي)- عملت ماجستير وبلّشت علّم”. وفي الطريق تزوّجت من المُدقّق اللغوي والكاتب جميل نعمة وأسسا عائلة “بتشوف حالها غادة فيها”. وخلال 30 عاماً قسّمت وقتها بين المدرسة والتلاميذ، وإيصال “الولاد” والعودة بهما إلى المنزل، “إجي الضهر على وقتن. ومتل كل أم: تحضير أكل وتدريس وأخدن على النشاطات. وبالليل حضّر، صلّح، بتعرفي التعليم بياخد منّك بالبيت أدّ ما وقت المدرسة”. وبعد 30 عاماً من العطاء وتخطّي صعاب الأيام المحتومة وبعض أوقات عصيبة تُحضّرها الحياة لنا جميعاً غرفة استقبال مُشرقة تفضي على العالم، أقفلت المدرسة أبوابها. وشعرت غادة أنها، في الواقع، لا تُريد العودة إلى التعليم. لا تُريد العودة إلى التعب قديم الطراز. وبما أن “الولاد كبروا وخفّت علينا أنا وجميل المسؤوليات”، صار بإمكانها أن تروي قصّتها الشخصيّة. لم تعرف سلفاً أنها سترتكز على الرسم والكتابة على كماليّات.
القعدة في البيت بعد هذه السنوات الطويلة من العطاء الدائم لم تُناسب غادة. كان العالم آنذاك يُحارب جائحة العصر. كورونا، زربة في المنزل، إنتهاء حياة بكاملها. إعتادت غادة أن تعتني بإطلالتها يومياً قبل الخروج من البيت. ومع الحجر العالمي الذي باغتنا، بات التأنّق يحتاج إلى الكثير من الجهد. تعبت نفسية غادة. ولكنها سُرعان ما تذكرت هواية رافقتها سابقاً، قبل أن تُحاصرها المسؤوليات. وكانت مسألة عادية أن ترسم على المرآة، على سبيل المثال، وأن تقدّم الهدايا من صنع “ديّاتها” ومُخيلتها. أحبّت الرسم وامتلكت أدواته.
كانت ابنتها تعمل في مركز تجاري كبير في ذلك الوقت، وطلبت غادة منها أن تختار لها بعض أدوات مصنوعة من الخزف لترسم عليها لاسيما وأنها تتمتع بالصبر والهدوء. أنشأت لها نغم صفحة على مواقع التواصل الإجتماعي ووُلد مشروع غادة الصغير:
Hadaya handmade.
من عبارات وإقتباسات “بدائية” بعض الشيء، إلى دورات مُتخصصة في الرسم “أونلاين”، وسيطرة ُطلقة على كل جوانب المشروع الصغير الذي سُرعان ما انتشرت هزّاته الإبداعيّة الارتداديّة بين الأصدقاء وكل من صادف الصفحة على الإنترنت، صار لغادة فرنها الخاص بهذه الكماليّات المُزخرفة (فرن الخزف) وغالباً ما تعمل إلى جانب زوجها جميل. يتقاسمان الطاولة والأيام: “أحياناً أجلس إلى الطاولة من الصباح الباكر وحتى المساء”. صحيح انها ليست مهنتها التي تعبت لسنوات طويلة من أجلها، ولكنها عندما تلمس إعجاب الناس بإبتكاراتها، وتشعر بأنها تتقدّم في هذه الهواية – الشغف، “بنبسط. بحط راسي ع المخدة وبغفا من التعب”.
تضحك بفرح قبل أن تعلّق، “تصوري أنني أيضاً تمرّست بالتسويق إذ أروّج لمشروعي من دون مُساعدة من إبنتي”. تضيف:”أنا إشتغلت كتير بحياتي وهلق بدي شي إتسلى فيه. بطلّع مصروفي وما بعوز حدن”
