أبو الزوس…من قلب رأس بيروت حيث الواقع أجمل من الخيال
على خشبة هذا المسرح العريق، تختلط أروقة المُخيلة بواقع نُريده أقل خيبة، ولكن الأكيد أننا لن نستبدله وإن هجرناه في لحظة إنخطاف عابرة. أو أنه أراد إختبار إيماننا وولائنا. المشهد الخلفيّ يتجسّد براس بيروت، تلك الخليلة الشاهدة على جموح الكبار ونهاياتهم القاسية المحتومة. وعلى انبهارنا بالتراجيدية التي إرتدوها ثوبهم الساخر.
هذا المساء، ينصهر الخلق والجنون والأزياء والكتابة المُتقنة والتمثيل العفوي والآخر المُحترف، بطيف رأس بيروت. تلك الأرجوحة غير المروّضة التي يصعب توثيق تقلّباتها، ووحدهم القبضايات يتجرأون على تولّي تلك المُهمّة.
داخل مسرح غلبنكيان الشاهد على قصص حُبنا مع الحياة، وإقتحامنا لها بما يُشبه التهوّر الدراماتيكي، القبضاي لا يوثّق فقط أحداث المسرحية - الحدث التي تضم فريقاً ضخماً من المُحترفين والمُبتدئين.
هؤلاء الذين لطالما إعتبروا هذا المسرح منزلهم والمؤتمن على نزواتهم. وها هم يعودون إليه بلهفة البدايات. قبل أن تُمهّد لنا، بدورها، عن فصولها القادمة - وغير المُشرّفة. وكأننا سنستغرب إعتدادها بنفسها. أو ما تضمره لنا من مطبّات.
القبضاي يتربّص خلف هذه السيّدة التي تعيش الشق الثاني من حياتها، و "مقبعة معها" لأن عليها أن تنزل الدرج الطويل إلى حيث مقعدها في الصف الأمامي. يبتسم بتحبّب لأنها من التفاصيل الصغيرة المُتبقية من تاريخ رحل مُستأذناً.
كما يُراقب أبناء هذه المدينة السعداء بإجتماعهم في مكانهم المُفضّل. يستغلّون الدقائق القليلة قبل أن يبدأ العرض ليتبادلوا الأحاديث، والعتاب، وبعض نميمة بريئة تُلهينا معهم عن المُستحقات وآخر مُستجدات هذا الكون التعبان.
مسرح، لينا خوري، وراس بيروت.
عشرات السكّان الذين رفضوا مُغادرة هذه الزاوية المٌشرقة من العاصمة، هذا المُبدع الذي يرتدي سخريته قبعة مُتأنقة داخل المسرح ونظارات سوداء لكي لا ننتبه بأنه نجم - شي أشكلى - وتلك الفنانة المُتعددة الموهبة، وهؤلاء الكُتّاب الذين ينتظرون الغلطة ويُحلّلون الشاردة والواردة.
خلطة تليق ببيروت. أو ما تبقّى منها. إذا ما أزلنا عنها طيف الذكريات. على إعتبار أن الذكريات هي كل ما تبقّى لبعضنا.
وكم من ذكرى ستُرافقنا هذا المساء لأكثر من ساعة ونحن نُتابع أحداث مسرحية أبو الزوس للكاتبة والمخرجة والأستاذة في الجامعة اللبنانية الأميركية، لينا خوري. وهي إقتباس لمسرحية God للمسرحي النيويوركي وودي آلن.
في الكرّاس التابع لهذا الكشكول الناجح:
كاتب وممثل يحاولان إيجاد خاتمة لمسرحيتهما، ولكن... أبو الزوس مسرحية ملبننة عن نص God للكاتب والسينمائي وودي ألن. وهي مسرحية كوميدية ساخرة - غريبة عجيبة- حيث يختلط فيها الواقعي بالمتخيّل. والعبثي بالملحمي. والغيبي بالملموس. والمنطقي باللا منطقي. والسطحي بالعميق. والإغريقي باللبناني. والحابل بالنابل.
وها نحن أمام طارق تميم، سنّي عبد الباقي، وفاء حلاوي، مروان طرّاف، كريم مكارم، إيلي ف. حبيب، عليّة الخالدي، طلال الجردي، هيثم شمص، رياض قبيسي، فيروز أبو حسن....
نضحك، يعلو الحاجب بإستغراب في هذا المقطع، يُحاول العقل أن يُقنع المُخيلة بأن الأسئلة الفلسفية تُرافق نزهة الإنسان في هذا الكون التعبان. هل هذا المشهد يُقنعنا بسبب وجودنا؟ هل للفن دوره المحوري في كتابة مسار حياتنا؟
بعض الممثلين يجلسون وسط الجمهور. البعض الآخر يضطلع بأكثر من دور.
في غلبنكيان تختلط الذاكرة الأكاديمية بنبض المدينة التي نطلب منها أكثر من أي وقت مضى أن تعود إلى حيث كانت بداياتنا. لنُعيد معاً كتابة فصول هذه الملحمة.
عمل لا يكتفي بالحكايات والجنون والإبداع. بل يضعنا وجهاً لوجه مع البدايات. بداياتنا مع المدينة. وطموحاتنا الكبيرة لها.
هيبة أبو الزوس ولعنة المدينة التي وإن هجرناها في لحظة إستسلام عابرة، نعود إليها بتفان يليق بإضطراباتها التي لا نهاية لها. وأخرتها إيه ويّاك؟
المسرحية - كشكول الإبداع والجنون - تبدو في بيئتها الطبيعية. رأس بيروت، ومسرح غلبنكيان. وغوص لينا خوري في عالم الكتاب وكأن لا شيء أبعد من فصوله. وكأن العالم يبدأ لينتهي بين دفّتيه.
إعتادت لينا القراءة بنهم. وفي بداياتها بحثت عن مسرحية تُعبّر عنها. فكان لا بد لها من أن تخلقها. أن تُبصر النور بين يديها. تزور مكتبات عشرات البلدان. تقرأ بلا توقف. لا وقت لديها للتردد. المسرح هو الخلاص. والجامعة منزلها. هنا تفتحت فصول ثوب الصبا.
علاقتها مع اللغة تحتاج إلى عمل مُتكامل ليصفها. تعشق التجدّد. ترى في الإقتباس الإحتواء الكامل لحضارتنا اللبنانيّة والحضارة التي إنبثق منها العمل.
تجلس على الأريكة. اللابتوب على حضنها. لا تحتاج لأكثر من أسبوعين لتُنهي الإقتباس. ولكن، من بعد أن تكون قد قرأت العمل مئات المرّات. حتى أصبح ظلّها. ربما أمضت ما يُقارب الشهر. ع الكثير.
المشكلة ليست في الإقتباس. المشكلة الكُبرى التي تواجه مُبدعتنا، هي الكتابة من الصفر. أي عندما تكون أمام الإمتحان الكبير الذي يتطلب منها كتابة كاملة وخلق مُتكامل، لا إقتباس.
وبعد غياب 6 سنوات عن المسرحيّات الرئيسية التي تُقدّم عادة في الجامعة، إنطلاقاً من الأحداث العالميّة والمحليّة التي تُلاحقنا بلا رحمة، تطل أبو الزوس وكأنها التعبير الأقسى عن تنهيدة البدايات. تلك التي تُمهّد لقصص الحب الكبرى.
المسرحية، كما تصفها لينا، "ضخمة" وهي المُلتقى الإبداعي لرابطة الخريجين الذين لم ينسوا يوماً جامعتهم، رأس بيروت، ومسرح غلبنكيان على وجه التحديد - لما يحمله من ذكريات.
وكم من ذكرى ستفاجئ البعض في هذا الصف والبعض الآخر في الصف الآخر.
لينا خوري تحتفل في هذا العمل بالخريجين الذين لم يترددوا للحظة ليُشاركوا في هذه الإحتفالية غير المروّضة.
لينا خوري تقرأ عشرات الكتب كل شهر. وتعيش قصة حُب غير عابرة مع المكتبة الرئيسية في حرم الجامعة في رأس بيروت. علاقة فريق العمل بعضم مع بعض أسعدت لينا. الكل تواطأ على الإحتفال بعودة الخلق إلى المدينة. إحتفلوا بعودتهم إلى مسرح غلبنكيان الذي حضن فصولهم الأولى مع الحياة.
أخرج من المسرح، أنا التي تخرجت أيضاً من هذا الحرم.
وها أنا أعود إلى رأس بيروت، وأشعر بانها تمشي معي.
صمت الأبنية، الوجوه شبه المألوفة، و- تعبيقة - السيدة المُتقدمة في العمر التي أغضبتها الدرجات الطويلة التي توصلها إلى مقعدها، تُشارك لينا وفريقها في الإحتفالية، بالإبداع والعودة إلى حيث كانت البدايات.
حين كنا نسلّم على الرايح والجايي، حيث المقاهي والمثقف المتعالي، وحيث النقاشات المحتدمة في المطاعم الأقرب إلى إمتداد طبيعي للمنزل.
في المسرحية يختلط الحابل بالنابل. وربما هذا هو التعبير الأقسى عما تمثله لنا رأس بيروت.