أعتقد أنني وصلتُ باكراً. ومن المُمكن أن أكون قد أزعجته قليلاً في هذا الطقس العاصف. أراد أن يأخذ وقته في تحضير الزعتر والجبنة وخلطة اللحمة(مع الإعتذار لأحبائي الحيوانات وهلعي من فيعان عصرهم).-vegan
طوال الليل وأنا أحلم بمنقوشة أو أكثر، فيما الزوابع والبرق والرعد يترنحون خارج المنزل المديد ، وأنا في داخله أترنّح على صدى الرشح الموسمي الذي إستقر منذ أيام في جسدي، وأجبرني على مواجهة نفسي، للمرة المليون هذا الشهر.
أشاهد أفلام الرُعب والفانتازيا المصريّة وأحاول أن أحل لغز الفراعنة وعلاقة شبح الفتاة العفريتة ببطل آخر سلسلة أدمنتها على منصّة نتفليكس.
بين الحين والآخر أنظر من حولي بهلع، وأحاول أن أطمئن نفسي أن الأساطير لن تطالني عبر الشاشة، لتضيف على عيشتي الهنيّة بعض تشويق وسط الفواتير المُتراكمة، وإصطدامي بواقع يتجسّد بتلطيشات ومُحاضرات وإستنتاجات وتحاليل أصدقاء وعقارب -أقارب (لا فرق).
"جيتي بكير"، يقول مُبتسماً.
"ما تخاف ما معي فيروس الساعة. رشح موسمي"
للمرة الأولى منذ إنتقالي إلى الحيّ الجديد قبل 3 أعوام، أسأله عن حياته، والسنوات التي أمضاها خلف فرن الحطب الصغير الذي يُعيله وعائلته.
سُرعان ما أندم على فضولي المُتزايد هذه الفترة وأحاول أن أبدّل إتجاه الحديث الصباحيّ لأعيده إلى الرشح الموسمي وإصراره على أن أواجه نفسي، والأساطير، وبعض عفاريت قد تخرج من الشاشة لتطلب منّي أن أتعرف إلى مخاوفي من خلال عشرات الألغاز.
أنا هون من أربعين سنة. بهالمحل الصغير. ورثت المهنة عن والدتي. كنت أساعدها وأنا بالجامعة. إعتقدتُ أنني قد أنجح في توسيع المصلحة. أوظّف من يُساعدني على تلبية طلبات الجياع. ومضت الأربعون سنة ، وما زلت بالمكان نفسه. راح عمري هون".
إتسعت إبتسامتي وأنا أحاول أن أقدّم له معنويات أحتاجها أكثر منه.
نظرت إلى الخلف، فوجدت صفاً طويلاً خارج المحل. الزبائن لم يدخلوا الفرن خوفاً من إنتشار الفيروس الجديد. أعتقد أنهم لم ينتبهوا إلى رشحي الموسمي.
غداً عندما أصبح مليونيرة سأدعم هذا الرجل العصامي بطلب مئات المناقيش على أنواعها - بإستثناء اللحمة، رأفةً بالحيوانات التي أصبح العديد منها عبر السنوات أولادي بالتبنّي.
أخرج من الفرن بثقة وعزم. نعم، غداً عندما أصبح مليونيرة وأنتقل للعيش في رأس بيروت، مسقط رأسي أيضاً بالتبنّي، لن أنسى هذا الفرن الصغير الذي إحتوى بعض ذكرياتي في الحيّ الجديد الذي إنتقلتُ إليه فجأة، عندما قرر القدر أن يُبدّل، وللمرة المليار، مسار حياتي.
من يعلم، قد أكتب عنه قصة للصغار.
قصة رجل إعتقد أن أحلامه ستبقى مُعلّقة بين زيت الزيتون وإنسياب الجبنة على العجينة الخالية من السكّر.
وذات يوم، وجد نفسه الطبّاخ الأول لدى سيّدة أصبحت مليونيرة على غفلة.
أو ربما، أدخّل المكدوس - شغل إيد- الذي ترددتُ في شرائه، في أحداث القصّة.
ولم لا تكون العفاريت والأرواح التائهة، ضيوف شرف!