يجب أن أتصالح، وبأسرع وقت مُمكن، مع موجة الحرّ المجيدة هذه، وأيضاً مع يوميّاتي الجديدة التي أعيشها في منفى دخلته طوعاً
ومن الأفضل أن أعزو هذا الإستنتاج الأنيق والشاهق في أبعاده الفلسفية إلى إدراك شعريّ مفاجئ بأنني لن أذهب إلى أي مكان في الوقت الحالي.
ولا بد من تحويل دفاتر العزلة المُنمّقة، مُرافقة أساسيّة لإبداعاتي في المطبخ في الدرجة الأولى، والناطقة بإسم قفزاتي الثُلاثية البعد إلى الشوارع المصريّة المكتظة حيث الغسيل على الشرفات يُرفرف مثل العواطف الملوّنة لإمرأة في سن اليأس. والمزاج المُتقلّب يتأرجح فوق الشارع قطرة ماء فأخرى.

هذه الفترة العصيبة والإنتقاليّة تحتاج إلى وثبة إفتراضية إلى مصر حيث القطط تستحم بأشعة الشمس على الأغطية الدافئة في الساحل على سبيل المثال، فلا أسمع نحيبها تحت شرفة منزلي البيروتي ولا أشهد على مناكفاتها الضارية التي تشي بقصص حب مؤجلة.
هي بكل تأكيد ليست قصص حبي أنا شخصياً.
إلى الأزقة الضيقة حيث يرقص بائع الشاي على نغمة خيبته الحالية ويحتضن الصينية المعدنية وكأنها العاشقة التي كسرت قلبه للمرة العاشرة هذا الصيف.
إلى شوارع القاهرة التي إحتوت غضب أبي وطموحه ذات يوم عندما قرر أن يُصبح خطّاط الساعة ويتعمّق في القرآن الكريم، هو الأرثذكسي المُتطرف الذي أعطى أبعاداً رومنطيقية - تراجيدية لجملة "بالمجد والكرامة كللهما".
العربات القديمة المحمّلة بالخبز البلدي الطازج والمغطى بقطعة قماش بيضاء
المقاهي القديمة ذات الكراسي الخشبية المُزخرفة بعشرات قصص لم يكتب لها أن تستدفئ بوهج إفتتاحية كبيرة
إنتهت في منتصف الجملة الأولى للمقطع الثالث.
ومرايا مُتشققة تحمي ما تبقى من جمل لا بد من أن تروي ذات يوم قصة مُتكاملة عن بطلة قررت أن تغوص في أكلة الكشري الشعبيّة.
تمزج الأرز والمعكرونة والعدس الأسود والبصل المقلي وتُحوّل صلصة الكشري والدقّة الجواب الحاسم لجارها إميل وباله المشغول بآخرتها، هي التي لم تبدأ حياتها بعد.
و"مين راح يحطك بآخرتك بالمأوى إذا ما تزوجتي؟".
يا أستاذ إميل، يجب أن تتذوّق أكلة الكشري التي أتمسّك بتوابلها كالغريق المُتيّم بالحياة، هرباً من سماجتك ولأغسل روحي من ثقل دمك عندما تصر أن تعد أموالك أمامي وتروي لي مغامراتك في عشرات البلدان التي تزورها شهرياً،
"متل ما بتعرفي أنا بلعب بالمصاري لعب".
والباعة في سيناء يتغزلون بأسعار المانجو والرمان الذي يُسبب لي الحموضة ولكنه شاعري الطلة في قصتي هذا الصباح.
روائح الطعمية المقلية بزيت الزيتون (شغل الكورة- هذه مخيلتي ويحق لي أن أقفز بين المحيطات وكأنني لست سجينة ثقل دم جاري إميل بأمواله ومغامراته المُتمترسة فوق قلبي)
دخان النرجيلة ونكهة (حامض ونعنع) تنساب من المقاهي الشعبية إلى شقتي البيروتية الأنيقة التي لا تُشبهني ولا علاقة لها بالبطلة المجنونة، الشرسة التي تعيش قصص حبها بلا خوف من النهايات التي تباغتها أحياناً في المقطع الثالث أو الرابع من الإفتتاحية الكبرى.
...وفجأة فيما أنعم للحظات بمقابض الأبواب المصنوعة من النحاس والمصقولة على مدى عقود من الزمن في هذا الشارع الأرستقراطي في القاهرة الذي يحمل إسم (شامبليون)، يقرع جاري إميل الباب وتصطدم الزبدة التي كنت سأضيفها على نحو مرتجل على الكُشري برائحة تجمّده عبر الزمن وهو يقول لي بواقعية لا تقلقه
"بتعرفي إني حجزت جارور لمرتي المريضة دغري فوق بيّي بمدافن العيلة؟

