الشوارع والأزقة في هذا الشق من المدينة مضاءة بشريحة فضيّة من القمر. أو ربما ثملة بفعل براعم حدائق راس بيروت العائلية. وفرة مفرطة من الوجوه. بعضها لا ينتمي. وبعضها يدّعي الإنتماء. ويبدو أن القمر في رأس بيروت يضفي على الأمسية نكهة مميزة وغنية باللحظات العابرة. بغض النظر عن وجهتك، أو حتى إن شعرت ببعض الضياع في الطريق. تتضافر الولائم الفاخرة في مطعم أو آخر و وفناجين الإسبريسو الضرورية جداً للإستيقاظ السريع من مُتلازمة تشوّش الذهن.
Foggy Brain، يا عيني!
مشهد بيروتي مؤلف من شظايا صغيرة لم تُكتب بعناية. إنسابت مع نزوات القمر بقدرته على إضفاء ما يُشبه العودة إلى رواق الفرح الضيّق. لا يهمّها الأداء الجيد. لم يُخطط لوجودها بعناية.
أركن السيّرة في كليمنصو. قرار متعمّد. مبان عتيقة وأخرى "يا ما شاء الله" تكاد تقطن وسط الموديرنيزم ببعده الثلاثي. واجهات شبه مُستترة، وشرفات عاشت أكثر الصخب بهدوء وبلا ضجيج.
هذا البرد الذي يُجاور الجليد الشاعري يليق به أن نمشي الهوينى قبل أن نصل إلى شارع بليس التاريخي. فنصل، بعد بضع خطوات، إلى الجامعة الأميركية، حيث سنقيم، بعد قليل، بين دفّتي مشهد بيروتي آخر.
محاضرة في مبنى "نايسلي" التاريخي داخل حرم الجامعة، تستحيل معها مهمّة غضّ الطرف عن هيبة المباني الراسخة.
"تاريخ الفن من الموقع الاستعماري" مع كلير ديفيز، الأمينة المُساعدة في متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك.
أتشوّق لرؤيتها بعدما تحدثت معها إلى نيويورك العام 2022 قبيل إستقالتي من صحيفة النهار.
من السهل أن أتخيل نفسي أزورها في المدينة الغائرة في الإبداع. هناك، في نيويورك. ولكن - يا عيني- بيروت العاشقة، التي لا تختصر جنونها، ولا تكظم تهورها، "من شو بتشكي"؟
في القاعة التي ستحسم مصير تاريخ الفن وتدخل الاستعمار في مساره(وصلبه)، يعزف رئيس قسم الفنون الجميلة وتاريخ الفن في الجامعة الأميركية، الفنان والكاتب وليد صادق، ومضات نغميّة قبل بدء المحاضرة.
الأجواء رومنطيقية. تغمز إلى زمن لم نعرف فيه هذا القدر من الأوجاع..
ها قد دخلت كلير. ما أن تلمحني، تبتسم. ساعة وأكثر مع مواد تعمل على إنهائها لتصبح كتاباً.
محاضرة لا تنفصل عن المكان. هي الإمتداد الطبيعي له.
الأكيد أننا لسنا في نيويورك. تستقبلنا، هذا المساء، الخليلة بيروت.
الرياح إشتدت خلال هذه الساعة. أحياناً، المدينة تُظهر نواح قاسية من جنونها المتشعّب.
عدت إلى السيارة مرتدية ما يشبه جنون العظمة. في الآونة الأخيرة، باتت التفاصيل الصغيرة التي تسعفني للعودة إلى الحياة بعد إنقطاع وعزلة، تزوّدني بآثار طفيفة من جنون العظمة.
كأنني إنتصرت عل نفسي.
تواطأت معي بيروت، هذا المساء، متخفية بقبعة المدينة التي لا تنام.
متلازمة الذهن المشوّش أجبرتني أن أغفو قليلا خلال المحاضرة. ليس لأنني شعرت بالملل. بل لأنني شعرت، للمرة الأولى منذ وقت، بالأمان.