لقد عدتُ إلى رأس بيروت. وجهي مُشرق وجديّ. روحي مُنشرحة، مٌفعمة بالحيويّة. حسنة الطباع، مرحة. أحاول أن أطبّق كل العظّات التي تدفقت في إتجاهي منذ أن تبدّلت حياتي جذرياً - وإلى الأبد - منذ عامين. معظمها تأتي على شكل: "إستفيدي من حريتك، إشكري ربّك عندك هالمنظر من هالبالكون، تصوّري لوكنتي ناتعة وراكي عرّ ولاد، روحي حبّي، ما تخلّلي رجّال من شرّك، كان فيكي بهالسنتين تكتبي 10 كتب عن بيّك"، وهكذا دواليك.
ولكنني اليوم، أغض الطرف عن هذه الدُرر الثمينة والنفسيّة التي اتأرجح من خلالها بين التساهل وضبط النفس - الإنغماس في حُريتي الجديدة أوكتابة قصتي الحقيقيّة وللمرة الأولى كما حلمتُ بها ذات يوم في حياة أخرى.
المبنى طويل وضيّق. شققه محشورة الواحدة فوق الأخرى، ولا أدري إذا كانت الواحدة منها مزروكة أيضاً إلى جانب الأخرى.
شيء ما في وقوفه بلامبالاة وثقة على الرغم من هندسته الغريبة الأطوار، يدفعني إلى أن أطرق باب الشقة المحشورة في الزاوية التي تصفع وجهي بضيقها، وأدعو نفسي إلى فنجان قهوة مع هال.
كنت في ال30 من عمري، شابة وضعها المجتمع في علبة ضيّقة، أعيش قصص حب شاعريّة لا تليق بكتاباتي المُتهوّرة. وكان هو وحيد الديار يصغرني بعام. يمسك بيدي ونسير لساعات في شوارع العاصمة بلا هدف. وهو بلا مال. سمعتُ نفسي ذات مساء أهتف في أذنه: "فلنطرق باب هذا المنزل القديم ونحتسي القهوة مع من يفتح لنا أكان (قتّيل فتلى أم سيّدة في سنّ مُعيّن قادها الزمن إلى الجنون)
ضحك وغمرني، ووقعنا في الحُب...إلى أن إكتشفت والدته المصونة أنني أكبره بعام و"يا تعتيري يا وحيد الديار، بدك تتزوج عجوز معنّسة. شو إنقطعوا الصبايا؟"
عانس في ال30! واليوم أنا....شابة في ال50 أكتب روايتي كما يحلو لي؟
ربما يجب أن أستفيد من غلاظة من حولي بعظّاتهم اليوميّة عن الإستفادة من الحريّة، وأحقق حلمي بإحتساء القهوة مع غرباء أطرق بابهم لأؤجل كتابة قصتي للمرة الأولى. أخشى أن يصفوني بأنني غريبة الأطوار - بعض الشيء. ولهذا السبب، سأخبز لهم كعكة - شغل ديّاتي. ومن ثم، أطرق بابهم لكتابة السطر الأول من حكايتي.