في هذه الزاوية من رأس بيروت، الأشبه بسيّدة مُتأنّقة تُعرف بلباقة الحديث، ينساب ضوء الصباح من الزجاج القديم. لكنه لا يستقرّ على الرفوف العتيقة في هذا المحل شبه المُظلم الذي يتكّل على كرم الطبيعة لتغمره ومضات من الأنوار الهاربة. المولّد الكهربائي وكهربة الدولة...تفاصيل نُعالجها لاحقاً. بعد شراء قطعة بسكويت ولوح شوكولا يُضرّ بالصحّة ويستقرّ مباشرة في الجسد من دون لفّ ولا دوران.
الرفوف تترنّح من ثقل الصابون البلدي والحلوى العالميّة، أي المستوردة من الخارج. أو ربما وبكل بساطة، أنهكها كثرة الإستعمال. المحل يغرق في الغبار. وأنا أغرق مرّة أخرى في الذكريات. أحفر في الماضي حيث لا جلبة ولا سوء تفاهم.
وفي هذه الزاوية من رأس بيروت، أقتحم سجلات عائلات رأس بيروت العريقة هرباً من الملل. بحثاً عن طيبة لم تمرّ عليها الحياة بعد. بعض القهوة المُطعّمة بحبّات الهال.
صاحب المحل يُهديني إبتسامته الصادقة. وأنا أحلم بالمقهى العريق الذي وُلدت فيه الثورات وتنافس، على طاولاته، المُثقف المُتأفف مع إبن العائلة المُقتدرة على المعرفة وإختلف الصحافي اللامع مع المُدّعي البخيل حول السياسة. المقهى هناك، نعم هناك، على بُعد بضع خطوات. هُناك حيث الأبواب مُقفلة والأحاديث المُختلطة صمتت إلى الأبد.
أدفع ثمن الحلوى والبسكويت والشوكولا، وأبحث داخلياً عن طريقة أوثّق من خلالها حيوات كل هؤلاء المجانين الذين صادفتهم في رأس بيروت. هؤلاء الذين تعاملوا مع هذه المنطقة البيروتيّة "قحّ" بمسؤوليّة وجديّة وإعتبروها ملكهم الخاص وأمينة ذكرياتهم وجرائمهم العاطفية وأسرارهم الفاسقة تماماً كنظراتهم المٌستترة.
والجيران الذين كانوا يتذرّعون بالشراء من هذا المحل شبه المُظلم ليطيلوا الأحاديث.
في هذه الدكانة الصغيرة، وعدتُ نفسي أن أعود في اليوم التالي لأشتري كيلو بطاطا وكيلو بندورة. أنا أيضاً أتذرّع بالشراء لأطيل البقاء في الدكانة الراس بيروتيّة التي ما زالت على قيد الحياة.
هنا، بين الخيار وعلب التون واللحمة المُخصّصة للقطط، الرفوف تحتوي جنوني. وحاجتي الملحّة إلى التعلّق بما تبقّى من عائلات راس بيروت المُختلطة.
هُنا، أستطيع أن أدّعي أن المقهى العريق لم يٌقفل أبوابه ولم يهجره الروّاد. وأن لوح الشوكولا لن يستقر في أماكن غير مرغوب فيها في الجسد. أُهدي بدوري صاحب الدكانة ضحكة صادقة. غداً، ولأطيل الحديث وأسترسل في أحلام اليقظة حيث لا جلبة أو سوء تفاهم، سآخذ كل وقتي في إنتقاء المأكولات والكماليّات. ولتستقرّ أينما أرادت. في الروح أو في الجسد.
أمّا علكة (شك) الأصليّة بطعم النعناع التي كانت والدتي، فيفي، تتحوّل بفضل (تطقيشي) لها داخل فمّي وغزلي لها في كل الإتجاهات، إلى كتلة من السمّ المُتنقّل، فهي بدورها شاهدة على تاريخي المُشرّف، وبالتالي، (حلال) أنغمس فيها كما أشاء...مع التركيز على رسم فقاعة جميلة، (أي بالون) من خلالها خارج الفم، وبعد زمزمة الشفة العالية وكوكزتها فوق الشفة السفلية.
على أمل أن تغضّ والدتي فيفي الطرف عن إنزلاقي في هاوية (الجرصة). لحظة إنخطاف عابرة.
ربما، وهي في دنيا الحق، لم تعد تُولي هذه التفاصيل أهميّة كُبرى.
غداً نلتقي.
أودّع صاحب الدكّانة الصغيرة، لتصطدم أحلامي، على العتبة، بالعاصمة التي لم تنجو ولكنها صامدة. في الخارج المدينة (مُستعجلة)، تماماً مثلي، عندما كنتُ يافعة أعيش كل تفاصيل راس بيروت وكبارها من دون أن أعرف أنني في يوم من الأيام سأتنفّس من خلال ما تبقّى لي من ذكريات معهم.