!أمسية هادئة. يا إلهي وكأنها كلمة نعرفها على هذه الشواطئ، بوفرتها والرعب الكامن بين طيّات صفحاتها. شواطئ مخيلة مُخمليّة الملمس تخفي خلف جسورها عشرات تقلّبات نهدهد إنكسارها بكثير من التفهّم. حلم بيروتيّ. والناس ينتشرون على الرصيف الضيّق. "يُمزمزون سيجارة، أو "بايب" أو يمضغون سيجارة غير مُشتعلة فيما الأرواح تترنّح على صدى شرقطة البراكين الداخلية.
مقطع مُنمّق من قصّة بيروتيّة تحدث حالياً، أو ربما "سبق الفضل" منذ بضعة أيام في الحيّ الذي ترعرتُ فيه. بالقرب من "جنينة الياسوعية" الشاهدة على هروبي المُتكرر من المدرسة بتسهيل من شقيقي الكبير. والحق، كل الحق على البطن الموجوع. "كل ليلة، باخد برد وبيصير لازم إرجع من المدرسة تألعب بجنينة الياسوعية".
نحن في الأشرفية. هذا المساء، إبتعدنا قليلاً عن راس بيروت بكل ما تُجسّده من قصص حُب لم تبدأ بعد.
غاليري "مجاز" الأنيقة تستقبل غاليري لين مدلّل تحت قبعة ال Pop Up Shows ليكون للفنان القريب من القلب حتى البُعد، فادي الشمعة، ناسه الذين قدموا من كل المناطق بحثاً عن ألوانه الفرحة وأشكال لوحاته المُريحة، على الرغم من أن لا شيء في نظرات هذا الفنان الرائع يدل أو يغمز إلى الراحة الداخليّة. حروبه الباطنيّة أكثر وضوحاً من ألوان لوحاته الزاهية. ولكن، أليست هذه حال كل من قرر أن يُشعل براكينه المُتقدة بشراشيب كل ما لم يقله في الطريق إلى الحياة؟
نبيذ الصيف.
هذا هو عنوان هذه الأمسية التي ربما تحدث الآن، أو ربما مرّ عليها الوقت، تماماً كلحظات هروبي من المدرسة حيث الرُعب والتهديد بالقصاص والتنمّر، وعشرات الدروس التي ها قد قفزتُ عتبة ال50 ولم أستند إلى نظرتها المُتعالية يوماً.
وها هم "البروفيسوريّة" الذين تخصصوا في كل شاردة وواردة بتنا نرتكبها كبشر، يبتسمون بصفراويّة قبل أن تتمايل كلمة "نرجسيّة" من أفواههم المُحبة ما أن أسرد بعض حكايات عن هذا الماضي الذي كُتب علينا أن نقاتله يومياً. "أكيد كل شي بيدور حولك، ما هيك؟".
لا بأس.
أمسية بيروتيّة هادئة.
والهمهمات توحي بالفرح. فرح يستقر في اللوحات وأحياناً يستمد قوته منها.
والرصيف المُلتصق بالغاليري ضيّق. ولكنه "بيساع مية محب".
نبيذ الصيف وكم من قصة حُب ستولد هذا المساء. أو ربما، وُلدت منذ أسابيع، وأصبحت في منتصف الفصل العاشر. وفادي الشمعة لا يُريد التحدث عن اللوحات.
لا يُريد أن يشرح إنسياب فرشاة الرسم على هذا النحو أو ذاك.
نحتسي معه ما يواسي النفوس ونفرح به. على الرغم من أن نظراته، تماماً كهذه الهمهمات والضحكات المُرتاحة، تخفي الكثير من حكايات لم نجرؤ حتى الساعة على الإعتراف بها في الطريق إلى الحياة.
وبما أنني، في كل الأحوال قد كسبت عن جدارة، بحسب "البروفسوريّة المفلسفين"، لقب النرجسيّة، ها قد لمحتُ الطفلة التي كنتها ذات يوم، أهرب من المدرسة - السجن، أدّعي وجع البطن، وأترنّح على المرجوحة هناك في "جنينة الياسوعية".
نبيذ الصيف غالباً ما يُمهّد لأحلام يرسمها فادي الشمعة وكأنها هلوسات شبه سعيدة، تروي وجع القلب بكثير من الراحة. وفستان هذه الصبيّة يُنذر بالبدايات. يُمهّد للكوارث التي سترتكبها بإسم الحب. وعبسة هذا الرجل تخترق الفستان الزهري بحثاً عن معنى في الأشكال التي إستقرت في اللوحات ليفهم "لعبة الضو" في كل الإتجاهات داخل الغاليري.
والرصيف الضيق "بيساع مية محب" وهناك في "جنينة الياسوعية" طفلة تسلحب باستمرار من المدرسة لتطير على المرجوحة بزيزقتها المقلقة، هرباً من المدرسة وعشرات المواد التي أؤكد لها بكثير من المحبة فيما ألوّح لها مودّعة،، أنها لن تحتاج إلى أي سطر منها!