الأثاث والمُقتنيات موجودتان تماماً في المكان الذي تركتهما فيه. في الواقع، هما في نفس البقعة منذ أن إنتقلت إلى هذه الشقة البيروتيّة النموذجيّة قبل 50 عاماً. في المدخل، مرآة بيضاويّة كانت تستخدمها وتحتفظ بدقّة على إنعكاسها النظيف. تحت المرآة كرسيان فخمان مصبوغان بالذهب ومطرّزان بقماش الساتان، يفصل بينهما طاولة صغيرة ذات سطحين، مُزيّنة بأزهار إصطناعيّة ومزهريّة على شكل بجعة كادت أن تكون رشيقة لولا إصرارُها على بعض خفر.
على الجدار المُقابل، لوحة ضخمة رسمتُها لها منذ سنوات عديدة. حرصت على حمايتها داخل إطار جميل. لم تُجدّد خزائن المطبخ.
علب البسكويت القديمة مُغلّفة بإحكام في أكياس مصنوعة من النايلون. عشرات الصور لنا جميعاً في مراحل مُختلفة من حياتنا. وصورة واحدة تجمعنا في مكان واحد. عندما تأتي أختي لزيارة زوجها لترعاه، تُصرّ على أنها تستطيع رؤيتها. خالتي الجليلة شارلوت التي حاربت الدنيا ومن فيها طوال حياتها، ليفهم الجميع أن “ما حدن بيلعب مع ولاد إبراهيم الديري”. تشمّ رائحتها. تلك الرائحة القديمة حيث تتشابك القصص وذكرياتنا المُتناثرة.
أما أنا شخصياً فأعو الله دائماً ألا أرى شبحها. فقد خيّبت أملها، مهما فعلت. ومهما حاولتُ جاهدة أن أنجح. أتظاهر بالإيجابيّة المُفرطة عندما أصف بصوت عالٍ- لعلها تسمعني وترى- الطريقة الأنيقة التي بقي بها المنزل كما هو منذ أن دخلته قبل خمسين عاماً. أُظهر إعجابي بأغطية أثاثها، تلك التي كلّفت أفضل الخيّاطين لحياكتها رأفةً بكراسيها وأرائكتها ومختلف المُقتنيات الفاخرة في شقتها البيروتيّة.
وأُسهب في وصف أنماط سجّادها بمفردات بليغة. نسيجها الراقي. الفخامة المُترنحة بين تاريخ وحاضر. اللوحات التي وقّعها أهم الفنانين. وأصمت صمتاً بليغاً حين يقع نظري على الصورة حيث اجتمعنا في مكان واحد لهنيهات عابرة.
