كان بإمكاني أن أكتفي بالصراخ. أمضي ما تبقّى من أيام لي على أرض لطالما كانت أصغر من هالتك، مُختبئة في الزاوية. أصرخ بما تبقى لي من قوّة. بين الحين والآخر أردد اسمك، وأحاول أن أنسى الجليد الذي إنساب بهدوء راعب إلى حناياك فيما كنّا نودعك في غرفة المستشفى الإنتقاليّة، الفاصلة بين عالمين. أخبط يدي على رأسي وأكظم صراخي فيما أصابعك تتمسّك بيدي الثانية والبرد يُغلّف يدك المهيبة بثبات هادئ. أعترف لنفسي بأننا وإن لم نهزم الحياة، ع القليلة عبرنا عشرات فصولها معاً.
أوهم نفسي بأنني إكتفيت من هذه الدنيا. أنفق المال بجنون وتهوّر لكي أنسى كيف حاولت شرايين يدك الهروب من هذا الجليد الذي أحاط بها من كل الجهات. وأنك، وإن كنت تنتقل بهدوء إلى حيث الله، كنت تُعبّر من خلال أوردة يدك البارزة، بأنك لن تتركني، وأن قصتنا لم تنته بعد. على الرغم من قسوة حديقة الخيبات التي تُدعى الحياة.
ومضت الأسابيع، وبعدها الأشهر وأكثر من عامين. تعبتُ من الزاوية. وأرهقتني صراخي الصامت والجليد الذي سلبني حتى من أوهام تعلّمتها منك، أنت الذي كنت تهمس أمامي أحياناً: "أوهام. حياتي كانت كلها أوهام".
صباح الأحد المُنصرم، صعدنا إلى الشمال. إلى وهمك الأخير. 3 جنازات، بعيدن عنك.
وجوه جوفاء خالية من ألوان الوهم الزاهية.
زرنا عمّي حنا الذي يكاد يكون توأمك. تمسّكت بشرايين يده البارزة التي تكاد تكون شرايين يدك. إحتسينا القليل، وأكثر منه بقليل، مما يواسي النفوس. وفجأة، تعبت من البكاء على رحيلك. كبستُ على زر التسجيل في الهاتف - السجّان.
وبدأت، في تلك اللحظة رحلة العودة إليك.
يا صبي، يا أزعر، نحن جميعاً قادمون إليك من خلال قصصك التي حاولت جاهداً أن تخفيها عن العالم.
رغبة منك بالعيش حراً.
العائلة والأصدقاء جنّدوا أنفسهم ليرووا قصّة الذئب الذي عاد إلى العرتوق. ولكنه رحل عنه مجدداً.
تاركاً خلفه وجوهاً خالية من لون الأوهام.
توقف الصراخ والبكاء عليك.
يا صبي، يا أزعر.
نحن جميعاً، قادمون إليك.