هكذا إذاً، خرجت من بين دفّتي دفاتر العزلة.
فتحت باب الزاوية الصغيرة التي إختبأت فيها طوال عامين، وراهنتُ على قدرتي الواهنة في العودة إلى عاصمة وقعتُ في حب تناقضاتها باكراً.
ووقع الإختيار على بيت بيروت الشاهد على ذكريات ما زالت تقاسمنا شرايين ندوبنا.
معرض (بيروت المرفأ) الكثيف برسائله ومختلف إمتداداته الفنيّة المُتعددة الوسيط.
معرض يُسلّط الضوء، بأكثر من أسلوب، ووفق هالة يونس (مرصد العمارة والمدينة - بيت بيروت)، على "العلاقة المُتشابكة بين بيروت ومرفأها. فبعدما نشأت بيروت الحديثة مع تأسيس المرفأ وإنتعشت مع إزدهاره، دُمّرت مع تدميره، حتى بات جرحها الأكبر"...
والناس يصرخون، والدماء تُزيّن وجوههم المُنهزمة ، والجسد يتمزّق ليُشارك الروح المقتولة رحلتها الجديدة في نفق الجحيم. أين إختفت تعابير الوجه؟....الرابع من آب 2020.
لكن الحياة لا بد أن تستمر. وها قد مرّت 5 سنوات على ذلك المساء بصوره وسواده المرقط وأصواته المحفورة داخل الجلد، الصراخ المكتوم...والأقدام تغرق في الزجاج.
فكيف سنرسم مستقبل المرفأ الجديد؟
مرصد العمارة والمدينة في بيت بيروت يستعرض 3 رؤى للمدينة في هذا المعرض المُرهق ولكنه يُبشّر بالخير :
"إعادة تشكيل سلسة وإعادة تموضع،
سيناريوهات طموحة لمدينة في توسّع دائم،
وصولاً إلى خطة طوارئ تحافظ على الإستمراريّة وتُعيد المرفأ إلى نمط العمل المُعتاد (وهي الرؤية التي تفضّلها السلطات المحليّة)
بيت بيروت، تماماً كالعاصمة بيروت، ما زال مُعلّقاً بين الماضي والحاضر.
نوافذه العملاقة تفضي على ضوضاء لا تُلغي ما حصل داخل جدرانه (وخارجها).
المرفأ يُحاصر المدينة، وهي تعتمد عليه لتضمن زهوها.
وهما يتقاسمان- كما تشير يونس -: "مجالاتهما الضيّقة. ومن هذا المنظار، يكتسب مشروع إعادة تأهيل المرفأ ابعاداً تتخطى إشكاليّة تصميم ميناء معاصر".
المعرض يطرح 4 أسئلة محوريّة قبل الإنطلاق نحو مستقبل نُريده أقل إجراماً مما إعتادت عليه بيروت :
-أي نوع من الحوكمة؟
-ما هو مصدر التمويل؟
-ما علاقة المرفأ بالمدينة والحيز العام؟
-وماذا عن جراحنا وذاكرتنا؟
...وها هو يطير من الشبّاك فيفقد الوجه تعابيره، وتتبدّل، خلال لحظة سكون راعبة بصفائها، حيوات بكالمها
المعرض يوثّق، بكل تأكيد، مبادرات قيّمة لإعادة وميض من الحياة إلى مرفأ يُحاصر المدينة وهي تعتمد عليه لتعيش زهواً يليق بجموحها.
لكن ذلك لا يلغي الواقع الذي يفيد أن "أجزاء كبيرة (منه- المرفأ)، لا تزال مقفرة، مهجورة ومُهملة".
الذهول وحده يضفي بعض لون لوجوه فقدت تعابيرها.
عشرات الغٌرف، تفاصيل صغيرة تجهيزات فنيّة، وتسجيلات توثق ماضي المرفأ الشاهق قبل أن يُحاصر بالصراخ والدماء ورائحة الموت، شهادات مؤثرة، وسؤال يُطرح في إحدى الزوايا:
أين كنتم في 4 آب عند الساعة السادسة وثماني دقائق؟
وليشبع الزائر روحه من المعرض الطموح، عليه أن يعيش 3 محاور أساسيّة يعتمدها مرصد العمارة والمدينة في بيت بيروت التاريخي:
الحفاظ
الترميم
المشاركة
ويحتاج لأكثر من ساعة ليتعرّف من كثب على الخط الزمني المفصّل للمحطّات الرئيسيّة لتطوّر المرفأ من القرن التاسع عشر حتى عام 2020، ليصل إلى محطة جدليّة تضعه وجهاً لوجه مع سؤال خطير لا يعرف تأثيره إلا من عاش ذلك المساء من تلك السنة
ما هو مصير الإهراءات؟
وهل يجب الحفاظ على صمودها، أم بناء تاريخ جديد فوقها؟
في المعرض - الحدث، نفهم أن مشروع إعادة ترميم المرفأ، لا يطال فقط المجزرة التي تسبب بها الرابع من آب، بل كل ما تصدّع قبل الإنفجار بزمن طويل.
ويرى المعرض أن المرفأ منفصل جغرافياً ومؤسساتيّاً عن محيطه، ويعمل كجزيرة داخل المدينة.
جمع جيلبير الحاج شهادات لفنانين ومفكرين عالجوا بأسلوبهم تداعيات الساعة السادسة وثماني دقائق.
ولو سألني جيلبير عن شهادتي، أنا المرأة العادية، لقلت له ببساطة:
كنت إبنة إمبراطور.
ثم طار من النافذة.








