قررت أن أقوم بمغامرة صغيرة في منطقة بيروتية راقية، تعرف بالوسط. لأكتشف إن كان ما زال هناك أبطال خارقون يتجولون في شوارعها لحماية فتاة القمر والأخرى التي تعيش على القمر. لا أعرف تماما ما الفرق بين الصورتين ولكنني بحثت عنهم وكأنهم العصبة التي إتخذت على عاتقها زرع الفرح ونثره في المقاهي المكتظة بالكائنات ال(كول) التي إستوطنت الفسحات خلال غيابي عن دورة الحياة.
لقد تغير الكثير منذ أن أخذت إجازة لعامين... وربما أكون محظوظة بما يكفي لأجد إثنين منهم على الأقل - أبطالي الخارقون، الذين لا يريدون أن يضطلعوا بدور صبي قوس القزح الذي على الفتاة أن تحميه من غدر الزمان وتقلباته، وأن تدفع عنه ثمن المنقوشة وصحن الترمس، وإلا رمقها بنظرة فيها الكثير من العتب. (بنات آخر زمان صاروا مصلحجية. بدن صحن بزورات مع فنجان القهوة!) ربما كافأتني الحياة ببطل يضطلع بدور الرجل الحقيقي الذي خاض رحلة الحياة ولم يضيعها في الإختباء في (أطرميز) الولدنة، و(انا النسوان بيلحقوني ع أفى مين يشيل). والبعض منهن يصرفن عليه كمان.
حملتني خطواتي إلى غاليري مارك هاشم، تلك الفسحة البهيّة في قلب العاصمة الشاهدة على تغيرات ليست بالضرورة شاهقة بنبلها. وسرعان ما نسيت الأبطال والأولاد الذين علقوا في أجساد الرجال. في ذاك الفناء ، يحق لنا أن نحلم بأن الأناقة ليست حكرا على القصص، بل هي لغة الفن بألوانها المتفرقة وقصصها المتجسدة بأكثر من وسيط.
معرض جماعي لعشرات الفنانين من مختلف أنحاء العالم. والأكثرية لنا، للبناننا. ودخلك يا طير، قل لي أين يختبئ الأبطال. عصبة الرجال الذين كانوا، قبل أن أنعزل عن الحياة، يتباهون بالشهامة كقدرة عشرات الفنانين في الغاليري على التباهي بتطويع الموهبة والمخيلة ووضعها في تصرف الخلق؟
الصمت مهيب. زائرة وإبنها، وفتاة القمر أو تلك التي عاشت لفترة طويلة على القمر وإصطدم نظرها ذات يوم بالواقع. السيدة لم تقرر بعد عنوان اللوحة التي ستنقلها إلى دارتها. تتشاور مع إبنها الذي لم يصل بعد إلى سنواته العاشرة.
عتبة بين الضجيج في الفسحات (الكول) والعوالم الصامتة المزروعة بين مخيلة ولحظات هاربة من الإبداع. وسط هذه الأعمال، كنت على يقين من أنني لن أصادف عصبة الأبطال الذين رفضوا أن يعيشوا سجناء الولدنة. ولكن عزائي أن الخلق عوض لي عن فقدانهم. لا بأس، أبحث عنهم في وقت لاحق. هيك، هيك، إنحسبت علينا أننا عدنا إلى دورة الحياة بعد إنقطاع وعزلة.